25
الثلاثاء, يناير

ماهي النقود؟ الحلقة الثالثة والأخيرة (اسرق بكبسة زر)

Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
تخيل معي عزيزي القارئ أنك تعملُ في شركةٍ ما، وأنّ مجالَ عملكَ يتطلبُ منكَ البقاءَ والعملَ مقابلَ شاشةِ الكمبيوتر لمدةٍ تقدرُ بعشرةِ ساعاتٍ يومياً، وأنكَ تُمنحُ يوماً واحداً كإجازةٍ أسبوعية. في المقابل فإن راتبكَ الشهري ثلاثة آلاف دولار، مما يعني أنهُ مع بدايةِ كل شهر، سيكونُ في حوزتكَ ثلاثونَ ورقةٍ نقديةٍ من فئةِ المئةِ دولار. قد تكونُ سعيداً بما لديك. لكن تخيل أنكَ اكتشفتَ بمحضِ الصدفةِ أن مديركَ في العمل، هو الشخصُ المخولُ بطباعةِ الأوراقِ النقدية التي تنفقها أنتَ وعائلتك، ماذا سيكون شعورك عندها؟
أعتقدُ أنكَ ستشعرُ أن جهدكَ يسرقُ منك، إذ أنّ من يعطيكَ هذهِ الأوراق لا يبذلُ جهداً فيها، فهي لا تكلفهُ سوى بضعَ ضغطاتٍ على أزرار آلةِ الطباعة، مما يعني أنّ جهدكَ ووقتك الذي بذلته قد تمت سرقتهُ منك بأبخسِ الأثمان (بكبسة زر)، وأنكَ مجردُ عبدٍ يعملُ ويعطي جهدهُ ووقتهُ لمديرهِ الذي يطبعُ تلك الأوراق النقدية.
للأسف هذا واقعٌ نعيشهُ لا مفرّ منه، هل تعلم يا عزيزي أنّ تكلفةَ هذهِ الأوراق النقديةِ الثلاثين لا تتعدى الـثلاثَ دولارات و ثلاثة وتسعين سنت؟! إذ أنّ تكلفةَ طباعة ورقةٍ نقديةٍ من فئةِ المئةِ دولار تساوي 13.1 سنت، مما يعني أن الجهةَ القادرةَ على الطباعة تنفقُ فقط 13.1 سنت على الطباعة، لكنها في المقابل تتمتعُ بالقدرةِ على الشراءِ بالقيمةِ الاسميةِ المطبوعةِ على الورقة مخصوما منها التكلفة، مما يعني أنّها تربحُ 99.869 دولار. إن ما تقومُ بهِ البنوكُ المركزيةُ من إصدارِ العملات، وما تقوم بهِ البنوكُ التجارية من عملياتِ خلقِ الإئتمان وإقراضهِ بفوائد هو استعباد من نوعٍ جديد، فالنقودُ المتداولةُ يصدرها أصحابُ النفوذِ الذينَ لا عملَ لهم سوى طباعة الأوراقِ النقدية والتمتعِ بالفرقِ بينَ تكلفةِ الطباعةِ، والقيمةِ الإسميةِ المطبوعةِ على الورقة، أو خلقُ الائتمانِ الرقمي الذي لا يكلفهم سوى بضعُ ضغطاتٍ على لوحةِ مفاتيحِ الحاسوب.
إنّ ما تم ذكرهُ آنفاً يتعلقُ بالمستوى المحلي، أما على مستوى التبادلِ التجاري الدولي، فإنّ الدولارَ الأمريكي وعلى عكسِ باقي العملاتِ الأخرى يتميزُ باعتبارهِ عملةَ تداولٍ عالمية، فمنذُ معاهدِ بريتون وودز وحتى انهيارها تم ربطُ العملات بالدولار، وجعلهِ عملةً دوليةً لها قوتها الشرائية داخلَ وخارجَ الولايات المتحدة الأمريكية. مما يعني أنّ الولايات المتحدة الأمريكية قادرةٌ على الحصولِ على ماتريدهُ منَ السلعِ (التي تم بذل الجهد والوقتِ في صناعتها) بمجردِ طباعةِ أوراقٍ نقدية، أو حتى بدونِ طباعة، إذ أنّ بضعَ ضغطاتٍ على لوحةِ المفاتيحِ تؤدي إلى خلقِ ائتمانٍ مالي في حسابِ الدولةِ المصدرة، مما يعني أنّ الولاياتِ المتحدة تحصلُ على كل ماتريدهُ مجاناً (نفرحُ عندما نحصل على الورقة الخضراء من غيرِ أن ندركَ أنه قد تمت سرقتنا في الواقع). صحيحٌ أنهُ باستطاعةِ الدولةِ المصدرةِ للسلع استخدام رصيدها من الدولار لشراءِ سلعٍ أخرى، لكن ما يتناساهُ الكثيرون هو أن الدولةَ التي تطبعُ الدولار (أمريكا) حصلت على ماتريد بلا جهد.
أما على الصعيدِ الدولي فإنّ وجودَ بنكٍ مركزي يحكمُ كل البنوكِ المركزيةِ في العالم، أو وجودُ مؤسساتٍ إقراضيةٍ عالمية، يعني سرقةَ الدول المقترضةِ من خلال فرضِ فوائدٍ مرتفعةٍ على القروض الممنوحة. فعلى سبيل المثال عندما تتدخل مؤسساتٌ ماليةٌ كالبنكِ الدولي أو مؤسسةِ النقدِ الدولي في دولةٍ من الدول بحجةِ مساعدتها للخروجِ من أزمتها الاقتصادية، فإنّ الواقعَ أنّ ما تقومُ بهِ هوَ مجردُ نهبٍ لثروةِ الأمم، وتحكمٌ بسيادة الدولة المقترضة. إنّ القروضَ المقدمةَ من هذهِ المؤسساتِ الدوليةِ ومثيلاتها، تُعطى بالدولار الأمريكي غالباً، والذي لا تستطيعُ الدولُ المقترضةُ طباعتهُ لسدادِ ماعليها من فوائد، مما يزيدُ التنافسيةَ بين دولِ العالم للحصول على الدولار الموجودِ في الأسواق. غالباً تقومُ هذه المؤسسات الدوليةُ بإدارةِ عملياتٍ ماليةٍ كبيرةٍ حولَ العالم، إضافة إلى صناديقَ تحوطٍ عالميةٍ تستخدمُ للمضاربةِ بعملاتِ الدولِ الأخرى، مما يؤثرُ على اقتصاداتِ تلك الدول، والتي بالتالي تطلبُ المساعدةَ من هذه المؤسساتِ الماليةِ التي تدعي أنها تعمل على مساعدة هذه الدول للخروجِ من أزمتها، لكنّها في الواقع تتمنى لها مزيداً من الغرق.
هناكَ العديدُ من الطرقِ الأخرى التي يمكنُ من خلالها سرقةُ ثرواتِ الأممِ الأخرى، فإعطاءُ تراخيصَ للبنوكِ الدوليةِ للعملِ في بلدٍ ما يعني السماحَ لها بالقيامِ بصناعةِ الإئتمانِ في البلدِ المرخًّص، كما أن استخدامَ عملة دولةٍ ما كالدولار مثلاً في بلدٍ ما (كما يحدثُ اليومَ في بعضِ البلدان)، يجعلُ الجهة المخولة بطباعةِ النقودِ وخلقِ الإئتمان الدولاري قادرةً على سرقةِ جهدِ الناس من خلالِ إعطائهم أوراقً نقديةً لا قيمة حقيقة لها، مقابلَ الحصولِ على سلعٍ حقيقةٍ وخدماتٍ ذاتُ قيمةٍ حقيقية.
إنّ الحل الأمثل لمشاكلِ النظامِ الحالي، يكمنُ بالعودةِ لاعتمادِ المعادنِ النفيسةِ (مثل: الذهب والفضة) كوسيلةٍ لتبادلِ السلعِ والخدمات، مما يعني إزالةَ حالةِ الفوضى القائمةِ في النظامِ الحالي، إذ معَ نظامِ المعادنِ النفيسةِ لن يكونَ هناكَ أسعارٌ مختلفةٌ لبيعِ العملاتِ، مما يعني أنهُ لا مضارباتٌ على فروقاتِ أسعارِ العملات، ولا تلاعبٌ في سوقِ النقد، كما وأنه لن يستطيعَ أحدهم الاستفادة من الفرقِ بين كلفةِ إصدار العملةِ وقيمتها الإسمية، إذ أن المعادنَ النفيسةَ نادرةٌ لا تتم صناعتها كما هو حالُ العملاتِ الورقية، بل يتم استخراجها من باطنِ الأرض. كما أن العملةَ ستكونُ ذاتُ قيمةٍ بذاتها، فلا حاجة لقانونٍ يلزمنا باستخدامها وقبولها، بينما سيكونُ الاحتياطي القانوني 100% (لن تستطيعَ البنوكُ صناعةَ الأموالِ والتلاعبَ بثرواتِ الناسِ)، أما الفوائد فإنها ستكون نقصاً لا زيادةً (سبب النقص هنا يأتي من تطبيق نظامِ حقِ الفقراءِ في أموال الأغنياء الخاملة لأكثر من سنة، مما يؤدي لجعلِ الذهبِ والفضةِ متداولين في أيدي كافةِ أفرادِ المجتمع فلا أحدَ يحتكرهما أويمنعُ الناسَ منها، لأن من يقومُ بذلك سيضطرفي نهاية العام لدفع جزءٍ من ماله). إن إعادةَ اعتمادِ المعادنِ النفيسةِ كعملةٍ رسمية، ينطوي على الكثيرِ من الأمور الإيجابية، إضافة لكونها توفر حلاً لمشاكلِ النظامِ الحالي، كما أن اعتمادها يؤدي إلى الاستقرار الاقتصادي وحماية ثروةِ الأمةِ من النهب.

المراجع:
1- هنا
2- The theft of the nation: return to Gold
Prof. Dr Ahamed Kameel Mydin Meera
3- The Islamic Gold Dinar
Prof. Dr Ahamed Kameel Mydin Meera