18
الجمعة, يونيو

سقف ومذبح السيستين - مايكل انجلو

أيقونات فنية خالدة
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
يمكنكم الاستماع للمقال عوضاً عن القراءة:



كنيسة السيستين هي كنيسة كبيرة في مدينة الفاتيكان. تشتهر بالفن العائد إلى عصر النهضة والذي يضفي عليها طابعاً مميزاً حيث تمتلئ باللوحات الجدارية الفنية التي أنجزها العديد من الرسامين، لكن أكثرها شهرة هما السقف وجدارية يوم القيامة اللذان رسمهما الفنان مايكل انجلو واللذان يجتذبان خمسة ملايين زائرٍ كل عام.

بُنيت كنيسة السيستين على أساسات كنيسة أقدم تسمى كابيلا ماغنا، ففي العام 1477 شجّع البابا سيكستوس الرابع على إعادة بناء الكنيسة، ولذلك سُميّت باسمه. تمتد الكنيسة على مساحة 40.23 متراً طولاً، و 13.40 متراً عرضاً، ويبلغ ارتفاعها 20.70 متراً، وتقول الشائعات أن تلك الأبعاد تطابق أبعاد هيكل سليمان في القدس والذي دُمّر في العام 70 للميلاد. تصميم الكنيسة من الخارج بسيط جداً بشكل لا يوحي بالتصميم الخلاب في الداخل.


Image: http://www.religionnews.com/wp-content/uploads/2013/03/Photo-2013-03-10-09.34.41.jpg

اختار البابا سيكستوس الرابع عدة رسامين مشاهير لتصميم الكنيسة من ضمنهم بوتشيلي وروسيلي، وقد قاموا حينها برسم السقف بشكل سماء زرقاء بسيطة تزينها النجوم. وفي العام 1503 قرر البابا الجديد يوليوس الثاني أن يغيّر قليلاً في تصميم كنيسة السيستين، وأمر الفنان مايكل انجلو بأداء هذا العمل. رفض مايكل انجلو العمل في البداية، فقد اعتبر نفسه نحاتاً لا رساماً وكان يعمل بجد في نحت قبر الملك. لكن إصرار البابا جعله يبدأ عمله على السقف الشهير عام 1508، وقد كان لذلك العمل الذي استمر أربع سنوات ضريبته، إذ تسبّب بضرر دائم للفنان في بصره.
وبعد أكثر من عشرين عاماً كُلّف مايكل انجلو برسم الجدارية العملاقة "يوم القيامة" على الجدار خلف المذبح، تذكر بعض المصادر أن من كلّفه بذلك هو البابا كليمنت السابع، بينما تذكر مصادر أخرى أنه البابا باول الثالث. وقد رسمها الفنان بكل الأحوال وهو في الستينات من عمره بين عامَيْ 1536 و1541.

السقف:
في أعلى جزءٍ من السقف صوّر مايكل انجلو تسعة مشاهدَ من سفر التكوين، ومن المرجح أنَّ خبيراً لاهوتياً من الفاتيكان قد ساعده في ترتيب تسلسل اللوحات، وقد تم ترتيبها تاريخياً من اليمين إلى اليسار بحيث تبدأ من ناحية المذبح وتنتهي عند مدخل الكنيسة. والمشاهد هي: "فصل النور عن الظلام"، "خلق الشمس والقمر والكواكب"، "فصل الماء عن اليابسة"، "خَلق آدم"، "خلق حواء"، "سقوط الإنسان وطرده من الجنة"، "تضحية نوح"، "الطوفان"، وأخيراً مشهد "سُكْر نوح".


Image: http://acesweeklyblog.com/wp-content/uploads/2014/10/Sistine-Chapel-ceiling-1.jpg

بدأ مايكل انجلو برسم لوحة نوح الأخيرة وبعد إكمالها أزال السقالات ليراها كاملة من بعيد لكنه أدرك حينها أن الشخصيات المرسومة كانت صغيرة بشكل لا يؤدي الغرض من رسمها. لذلك قرر أن يجعل الرسم أكبر حجماً في اللوحات التالية، ويمكننا اليوم أن نلاحظ أننا كلما اتجهنا ناحية المذبح نجد الشخصيات في السقف أكبر وأكثر حيوية. أما ألواح السقف التي تم الرسم عليها فتحيط بها صور الأنبياء والعرافات اللاتي تنبَّأن بميلاد المسيح، ويُزيّن زواياها رجالٌ عراةٌ ملتفتون رسمت تحتهم تماثيل وهمية، رسمها مايكل انجلو بدرجات اللون الرمادي فقط لتبدو كأنها تماثيل جصية حقيقية. الأنبياء المرسومون هم زكريا، دانيال، اشعيا، يوئيل، حزقيال، أرميا، ويونس، والعرافات هن العرافة الليبية، عرافة كوماي، عرافة ديلفي، عرافة إريتيريا، العرافة الفارسية، ومن الملاحظ أن العرافة الليبية قد رُسمت بأسلوبٍ يجعلها تبدو كمنحوتة، وهي تجلس على ملابسَ وُضعت فوق مقعد وتلتفت بجسدها لتغلق كتاباً وتنظر من خلف كتفها إلى الأسفل ناحية مذبح الكنيسة فتبدو متجاوبة مع البيئة حولها. وفي القناطر فوق النوافذ يظهر أجداد المسيح، بينما لا تُعرف هوية الأشخاص الظاهرين في الأجزاء المثلثية الشكل فوق قناطر النوافذ. وتحت صور أجداد المسيح رُسمت على الجدار لوحات للباباوات، وبذلك يتجسَّد جميع الأشخاص الذين يتصلون بالمسيح من قبل ميلاده ومن بعده في هذه اللوحات. وتُظهر زوايا السقف مشاهد الإنقاذ من بني إسرائيل والذي يُعتبر تمهيداً للخلاص.


Image: https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/0/07/CAPPELLA_SISTINA_Ceiling.jpg

يوم القيامة:
تصوّر هذه الجدارية قدوم المسيح للمرة الثانية، حين يحكم على كل البشر. الطيبون إلى يمين اللوحة ويتجهون إلى الجنة، أما الملعونون فهم إلى اليسار ويتم إرسالهم إلى الجحيم حيث يعذبهم الشياطين. وتظهر عدة شخصيات إنجيلية وكاثوليكية في المشهد، من ضمنهم حواء وعدة قديسين. وقد تم تعديل الجدارية لتغطية أعضاء الشخصيات التناسلية بناءً على إصرار عدة قسيسين محافظين.

الرسم:
رغم ما يشاع على أن مايكل انجلو رسم تلك الأيقونة البديعة مستلقياً على ظهره إلا أنه في الواقع كان واقفاً. فقد تخيل مايكل انجلو نظام سقالات فريداً بناه واستخدمه، كان قوياً وثابتاً بشكل كافٍ لحمل العمال والمواد المستخدمة، وبدأ من أعلى نقطة في الحائط ليكون بالإمكان أداء القدّاس أثناء عمله على الرسم. كانت قمة السقالة منحنية بدرجة تحاكي انحناء قبة السقف، وكان مايكل انجلو غالباً ينثني إلى الوراء ويرسم فوق رأسه، وقد كانت تلك الوضعية الغريبة مؤلمة حتماً لرقبته وظهره، كما آلمته ذراعاه بشدة ولحق ببصره ضرر دائم.


Image: http://apassportaffair.com/wp-content/uploads/2014/05/Chapelle_sixtine.jpg

يعود الفضل إلى مايكل انجلو بكل تأكيد في إنجاز هذا العمل الفني المبدع والخالد، فقد صمم اللوحات كلها، وورسم المسودات الأولية للجداريات بيده، كما نفّذ الرسم بنفسه رغم ضخامة حجم العمل. لكن صورته كشخصٍ يكدح وحيداً في كنيسة خالية ليست دقيقة فعلاً، فقد احتاج العديد من المساعدين، على أقل تقدير لخلط الألوان، وتسلق السلالم صعوداً ونزولاً، وتحضير الجصّ. وفي بعض الأحيان كان يوكل إلى مساعدٍ موهوبٍ مهمة رسم بقعة من السماء أو جزء من الخلفية، أو ربما شخصية صغيرة وثانوية بالكاد تلحظها العين من الأسفل، ورغم ذلك فحتى تلك الأشياء كانت ترسم من مسودة مايكل انجلو. بالإضافة إلى ذلك كان مايكل انجلو ذكياً كفاية ليوظف أولئك المساعدين ويطردهم بانتظام بشكلٍ لا يسمح لأحدهم بأن ينسب إلى نفسه الفضل في رسم أي جزءٍ من السقف.
لقد قيل عن مايكل انجلو أنه كان حين يرسم لوحة فإنه يرسم تمثالاً على سطح اللوحة، ويبدو ذلك جلياً في سقف كنيسة السيستين، حيث تتميز الشخصيات هائلة العدد بتجسيدها القوة والجمال معاً.

المصادر:
هنا
هنا
هنا
هنا