24
الثلاثاء, نوفمبر

"بياض الثلج والأقزام السبعة" حقيقة أم خيال

سلسلة اصل الحكاية
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
قام الباحث الفلكلوري الألماني "كلمنس برنتانو" الذي أصدر مؤخراً مجموعةٌ متنوعةٌ من الأغاني الشعبيّة الألمانيّة في عام 1806، ويطمح في البدء بكتابة الحكايات الشعبيّة أيضاً، بطلب المُساعدة العلميّة من الأخوين الشابّين الألمانيّين "جايكوب" و"فيلهلم" اللذين كانا قد تخرّجا حديثاً من كلية الحقوق، ويحملان شغفاً هائلاً نحوَ الفلكلور أكثر من القانون، واللذان اشتهرا لاحقاً باسم "الأخوان غريم".
كانت مهمة الأخوين تتمحور حول جمع الحكايات من قِبَل الناس في مختلف أنحاء ألمانيا بغية نشرها فيما بعد حسب رغبة "كلمنس". وقد قام الأخوان بدعوة معارفهم
الشخصيّين ورواة القصص الهواة إلى منزلهم لتدوين الحكايات التي سمعوها خِلال فترة حياتهم، حيثُ كان أولئك الحاضرون من جميع فئات المجتمع بما فيهم الأرستقراطيون الثانويّون والهوغونت الفرنسيين المنفيّين والعساكر المُفلسين. أرسل "الأخوان غريم" لاحقاً في عام 1810 ما يبلغ عدده 49 حكاية إلى "كلمنس برنتانو"، ومن بين تلك الحكايات كانت هُنالك عناوين مثل "الجمال النائم"، "رامبيل ستيلتسكين"، "الأمير الضفدع"، و"بياض الثلج".
ولكن، تلك الحكايات لن ترى النور مرةً أخرى رُبما لمدّة ستتجاوز مئات السنين. فقد قام "برنتانو" كما يبدو بأخذ تلك الحكايات إلى دير عبادة يقع في منطقة اسمها (ألزاس) وهجرها هُناك. إلّا أنّهُ لحسن الحظ، فقد احتفظ "الأخوان غريم" بِسبب فطنتهما العلميّة الفذّة بنسخٍ احتياطيّة من عملهما. إذ تبيّن فيما بعد أنّ "برنتانو" قد تخلّى عن مشروعه بنشر الحكايات، مِمّا حدى بـ"الأخوان غريم" للقيام بنشر طبعتهم الخاصّة من تلك الحكايات الخرافيّة في عام 1812.
لم تخلُ الحكايات الخرافيّة تلك من إضافات ولمسات الأخوين الفنّية اللامِعة التي تُعبّر عن رؤيتهم الشخصيّة. إذ تمَّ جمعُ مئات الحكايات ليختاروا منها الأشدَّ شيوعاً ضمن الفلكلور الألماني والأكثر إرضاءً لذوق الأطفال والبالغين معاً. قام "فيلهلم" تحديداً بتنقيح الحكايات التي سمعها مع أخيه، فأضافا سويةً التفاصيل المميزة والمظلمة وعمدا إلى رفع المستوى النثري بداخلها. أفضل مثال على تلك العملية في عام 1857 هي قصة بعنوان "بياض الثلج الصغيرة" Little Snow White.
سنستعرض هُنا الاختلافات الرئيسيّة الموجودة في قصة "بياض الثلج والأقزام السبعة" بين إصدارين اثنين هُما عام 1857 الأخير وفيلم شركة ديزني الشهير الذي يعرفه الجميع في عام 1937. ففي نسخة عام 1857 من قصة "بياض الثلج" لا تطلب زوجةُ الأب من الصياد بالعودة وهو حاملاً قلب الفتاة الصغيرة كما طلبت منه ذلك في نسخة فيلم ديزني. بل قامت بالأحرى بطلب رئتي وكبد "بياض الثلج"!. وعندما يُقدم الصياد على خداع زوجة الأب فيجلب لها بدلاً من ذلك رئتي وكبد خنزير برّي يافع، تقوم هي بدورها بطهوهم مع الملح ومن ثمَّ أكلهم!.
وعندما تهرب "بياض الثلج" إلى مسكن الأقزام الذين لم يكن لديهم اسماء ولا يملكون شخصيّات مستقلّة على عكس فيلم ديزني. تأتي الملكة إلى منزل الأقزام ثلاث مرات وليسَ مرّة واحدة فقط، وفي كل مرّة تغادر فيها كان يبدو لها بأنّ "بياض الثلج" قد ماتت. عادت الملكة في المرة الثالثة وهي معها تفاحة مسمومة، مسمومة -حسب وصف الأخوين غريم-، وقد كانت التفاحة مسمومة لدرجة تُحتم عليك التلفّظ بذلك مرتين مُتتاليتين. يتصف أحد جانبي التفاحة بالمُميت والآخر بالعادي، لذا تقوم الملكة بمحاولة إقناع ابنة زوجها بتذوّق التفاحة من الجانب السّام المميت مُدعيةً بأنّهُ جانباً مفيداً للصحة، لتأخذ "بياض الثلج" قضمة منه على الفور وتسقط ميتة.
يعجز الأقزام عن إحيائها من جديد، فيضعونها داخل تابوت زجاجي، منقوشٌ عليه اسمها وتاريخ مولدها. بعد مضي سنوات عديدة، يأتي أمير إلى المنزل ويشاهد الفتاة الميتة. يقع في حبها، مِمّا يجعله أمراً غريباً بعض الشيء.
يطلب الأمير من الأقزام شراء الفتاة، ولكنهم يرفضون ذلك، فيقول لهم الأمير بأنّهُ سيموت إن لم يستطع رؤية الفتاة كل يوم حتّى باقي حياته. وبينما حراس الأمير يقومون بحمل الفتاة إلى منزله بعد موافقة الأقزام على بيعه إياها، تسقط منهم أرضاً على حين غرّة، وبِسبب التأثير الشديد للضربة على "بياض الثلج" أدى ذلك إلى إحداث (مناورة هيمليش) – هي مساعدة الشخص الذي يشعر بالاختناق عن طريق الضغط على صدره – مِمّا تسبب بقذف قطعة التفاحة المسمومة من فمها نحوَ الخارج لتعود الفتاة إلى الحياة. لم يكن هُناك أي قبلة بين الأمير والفتاة كما هو معروف، وإنما تسقط "بياض الثلج" على الأرض ببساطة تامّة فتصحو بعدها من جديد.
بعد زواج الأمير من "بياض الثلج"، ودعوة زوجة الأب الشريرة لحضور مراسم حفل الزفاف، وعندما رأت بعينيها أنّ "بياض الثلج" حية ترزق وعلى وشك الزواج من الأمير، أصيبت وقتها بالجمود المطلق وكأنّها تحولت إلى حجرٍ لا يُمكن زحزحته. وتمَّ تسخين زوجين من النِعال الحديدية على النار، ثمَّ حُمِلت النِعال بواسطة كمّاشات وتمَّ تقديمهما إليها. وأخيراً، قامت بوضع النِعال الحمراء الساخنة بقدميها ورقصت بهما حتّى سقطت ميتة.
تلك هي الاختلافات في نسخة "بياض الثلج" الأصلية لعام 1857 من تأليف "الأخوان غريم". كما توجد عدّة إصدارات أخرى مختلفة مثل نسخة عام 1812 حيثُ أنّ الملكة الشريرة لا تكون زوجة أبيها للأميرة وإنما أمها الحقيقية! ذلك مُرعب حقاً أكثر بكثير مِمّا يمكن تصوره عندما تكون تلك الأميرة الجميلة الصغيرة هي ابنتها البيولوجية للملكة التي تعتريها الغَيرة دوماً. وبدلاً من طلب تلك الأم الحنونة أنّ يجلب لها الصياد
أعضاء الأميرة الداخلية، تأمره باستدراج "بياض الثلج" إلى وسط الغابة في مكان منعزل والقيام بطعنها حتّى الموت! ومن ثمَّ تأكل الملكة أعضاء الأميرة الداخلية حسب ظنها بأنّهم يعودون لها.
أيضاً اختلاف آخر في نسخة عام 1812 هو نجاح الأمير بنقل التابوت إلى منزله بدون إسقاطه أرضاً. ليقوم بأمر حراسه بحمل التابوت من غرفة إلى غرفة أخرى أثناء تنقله بالمنزل حتّى يتمكن من النظر بشكل مستمر إلى محبوبته الأميرة. ولكن أحد حراسه يشعر بالحنق الشديد أخيراً من حمل ذلك التابوت الزجاجي الضخم في الأرجاء. لذا يُقرر فتح التابوت ويصفع الأميرة التي تغفو في سبات عميق، مِمّا ينجم عن ذلك من قذف قطعة التفاحة العالقة في حلقها إلى الخارج واستيقاظ الأميرة من غيبوبتها! وهو أمرٌ أكثر طرافةً من سقوطها أرضاً كما في السابق.
نأتي الآن إلى السؤال الأهم والأجدر بالإجابة عليه، وهو ما الخلفية الصحيحة من حقيقة قصة "بياض الثلج" وهل هي مبنية على وقائع تاريخية موثقة بنفس التفاصيل؟.
الأميرة الجميلة، الساحرة الغيورة، الصياد، الأقزام، التفاحة المسمومة، والأمير البطل، كلها عناصر متشابكة ومليئة بالتشويق وتدفع الشخص إلى التساؤل عن مدى ارتباطها بالماضي السحيق الذي علينا سبر أغواره لنحصل على الجواب الشافي والوافي.
هُناك سيدتان استوحيت بعض أحداث القصة منهما وهما ألمانيتان الأصل ويبقى هذا احتمالاً وارداً غير مؤكّد، هاتان الشخصيتان اللتان تمثلان "بياض الثلج" وزوجة والدها .
تُدعى السيدة الأولى "مارغريثا فون فالديك" المولودة حوالي قبل منتصف القرن الخامس عشر. كانت السيدة جميلة وتعيش في بلدة لاستخراج المعادن اسمها (فالديك)، وهي مؤلفة من مجتمع صغير قليل التعداد وتقع في شمال غربي ألمانيا. وكان يعمل بتلك البلدة أطفالٌ في التنقيب داخل المنجم، لذا نستنتج بكل وضوح كيف تحولت في الحكاية فكرة الأطفال الصغار إلى رجال أقزام عبر السنين. رُبما بِسبب المشاكل التي كانت تواجه "مارغريثا" مع زوجة أبيها الجديدة، قررت الانتقال إلى خارج بلدة (فالديك) عندما بلغت تقريباً عمر 17 عاماً، وتوجهت نحوَ مدينة (بروكسل). ولحظة وصولها هُناك جذبت بجمالها انتباه ملك إسبانيا "فيليب الثاني". لكن كما يظهر لم يكترث أحد لفكرة زواج الملك "فيليب" من "مارغريثا"، ولذلك وقعت في المرض بشكل خطير. اعتقد معظم الناس بأنّها قد سُمِمَت، فقد كانت أيضاً كتابة خط يدها بوصيتها وأمنيتها الأخيرة مُرتعش للغاية مِمّا جعل أغلب الناس يظنون بأنّها عانت من ورم مُتفاقم، كدلالة على تسممها. لم تحظى "بياض الثلج" هذه بأميرها الخاص أبداً، فقد توفيت نتيجة مرضٍ غامضٍ عن عمر ناهز الواحد والعشرين ربيعاً. حتّى يومنا هذا لا أحد يعلم من يقف وراء تسميم "مارغريثا"، ولكن يُمكننا إعفاء مشتبهٍ به واحدٍ من التهمة ألا وهي زوجة أبيها التي كانت متوفاة من قبل حدوث كل ذلك.
السيدة الثانية كانت تُدعى "ماريا صوفيا مارغريثا كاثرينا فون إيرثل". ولِدت "ماريا" في عام 1729، وترعرعت في رحاب قصرٍ يقع داخل مدينة (لور) الألمانية. وتحول اليوم القصر إلى متحف، وإذا قمت بزيارته، سيُمكنك النظر إلى المرآة الشهيرة جداً. شاع بأنّ والد "ماريا" الأمير "فيليب كريستوف فون إيرثل" قد أعطى المرآة لزوجته الثانية كهدية، يبدو ذلك مألوفاً لنا قليلاً؟.
لم تكن توقعات "ماريا" بالفعل تجاه زوجة أبيها قاتمة جداً، ولم يكن هُناك وجوداً لصيادٍ من أي نوع، ولكن يتوقع الباحثون بالمُقابل أنّ حياتها لم تكن مريحة كذلك. يرى الباحث في حكاية "بياض الثلج" الدكتور "كارلهاينز بارتلز" أنّ ما قام به "الأخوان غريم" من المُحتمل أن يكون إعادة صياغة لحياة "ماريا صوفيا" الصعبة تحت وطأة زوجة أبيها لتصبح قصة خرافية. كما أنّ التشابه الحاصل في قصة "ماريا" مُقارنةً بقصة "مارغريثا" بخصوص الأقزام يعود مرَدّه لعدم إمكانية احتواء أنفاق مناجم قرية (بيبر) القريبة سوى لرجال قصار القامة حتّى يتمكنوا من العمل في التنقيب بالداخل.
أخيراً أعزائي القراء، سواء كانت قصة "بياض الثلج" مقتبسة من واقع الحياة أم مجرّد خرافة محضة فهي كانت وستبقى من أجمل وأكثر القصص شهرةً وتأثيراً في ألمانيا وجميع أنحاء العالم.
المصادر:
هنا
هنا