17
الخميس, اكتوبر

تتحدّى دراسةٌ جديدةٌ الافتراضَ الّذي طالَ أمدُه في البحوث البيئيّة، بأنّ المرضَ البشريّ يؤدّي إلى كبحٍ طبيعيٍّ للاستغلال البيئيّ، لا بل وتُظهر أيضاً أنّ صحّة الإنسان السيّئة قد تضرُّ بالبيئة. وتشيرُ إلى أنّ الرّعايةَ الصحيّةَ الجيّدة يمكن أنْ يكون لها فوائدُ تتجاوزُ السكّان البشريين وتساعدُ الناس على إدارة بيئتهم واستدامة مواردها.

أشارتْ دراساتٌ سابقةٌ إلى أنّ الناسَ سيَقضون وقتاً أقلّ في تأمين سُبُل عيشِهم عندما يكونون بحالةٍ صحيّةٍ سيّئة؛ لكنّ باحثيّ جامعة بيركلي لمْ يرَوا هذا الاتّجاه في دراستهم، التي دُعِمَت ومُوِّلت من المؤسسة الوطنيّة للعلوم ونُشِرت في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم في الثالث من نيسان لعام 2017، بل لاحظوا أنّ الناسَ يتحولون إلى استخدامِ الأساليبِ الأكثرِ تدميراً للبيئة عندما يمرضون.

تفاصيل الدّراسة

أُجريت هذه الدّراسةُ حول بحيرة فيكتوريا في كينيا، حيث يتمركزُ مجتمعُ صيدٍ للأسماك، ويعاني السكّانُ المحلِّيّونَ من ارتفاعِ معدّلات المرض واستنزاف الثّروةِ السّمكيّة. لاحظَ العلماء أنّ المرضَ البشريّ يؤدّي إلى تفاقمِ ممارسات الصيد غيرِ المستدامة. قامت كاثرِن فيوريلا "المؤلِّفةُ الرئيسيّةُ للدراسة، والتي كانت طالبةَ دكتوراه في جامعةِ بيركلي خلال فترة الدراسة" بقضاءِ ثلاثةِ أشهر من كلِّ عامٍ من فترة دراستها العليا في بحيرة فيكتوريا، وهي مكانٌ تتشابكُ فيه الصحّة والبيئة بطرقٍ مُعقَّدة منذ عقود.

في الستينات من القرن العشرين؛ تحوّلت بحيرةُ فيكتوريا إلى بحيرةٍ داعمةٍ للصيد التجاريّ، وذلك بعدَ أنْ أدخلَ المستعمرون البريطانيون إليها أسماكَ البياض النّيلي* المُفترِسة، وسرعان ما هيمنت هذه الأسماكُ على البحيرة وتَسبّبَت في انقراض مئات الأنواع المحليّة من أسماكِ البلطي. خلال الثمانينات والتسعينات؛ نما الصيد التجاريّ حول البحيرة وبدأتْ أسماكُ البياض النيلي بالانخفاض، فتمَّ سنُّ التشريعات لإنقاذ مصايد الأسماك. وفي الوقت نفسه؛ انتشرَ فيروس العوزِ المناعيّ البشريّ في جميع أنحاء شرق إفريقيا. ومع نموّ المرض في مجتمع الصّيد عند بحيرة فيكتوريا؛ أصبحَ الاستغلالُ البيئيّ لمصايد الأسماك أكثرَ سوءاً.

تأثير المرض على أساليب الصيد

لمعرفة كيفيّة تغيير المرض لممارساتِ الصيد؛ قامَ الباحثون بتتبُّع 303 أُسَرٍ تعيش على ضفاف بحيرة فيكتوريا، وأُجرِيَت أربعُ مقابلاتٍ مع كل أسرةٍ في أوقاتٍ مختلفة على مدى عام، جمَعَ الباحثون خلالها بياناتٍ عن صحّة الأُسر وعاداتِ الصيد التي يمارسونها، واطلعوا على الأساليب التي يتبعونها في أوقات المرض والصحّة الجيّدة.

وجدت الدراسة أدلَّةً محدودةً على أنّ المرضَ يقلِّلُ من جهود الصيد، في حين أنّ الأدلّةَ الأكبر أشارت إلى أنّ الصيادين المريضين غيروا الطرق الّتي كانوا يستخدمونها، فخلال المرض كانوا أكثرَ عرضةً لاستخدام أساليبَ غيرِ قانونيّة ومُدمِّرةٍ مركَّزَةٍ بالقرب من الخط الساحليّ، وتحتاجُ إلى قدرٍ أقلّ من التنقُّلِ والطاقة. كما أنّه من غير المرجَّح أنْ يستخدم الصيادون المريضون الطرق القانونية التي تتطلّبُ جهداً جسديّاً، والسفرَ إلى المياه العميقة. فعندما يكون الناس مصابين بأمراضٍ مُزمِنة، تكون لديهم توقُّعاتٌ مختلفةٌ للمستقبل، وهذه النظرة المختلفة تعني أنّهم سيعتمدون بشكلٍ متزايدٍ على الأساليبِ غيرِ المستدامة لأنّها تركّزُ على المكاسبِ قصيرةِ المدى.

الصحة الجيدة أفضلُ للبيئة

إنّ فهمَ الروابطِ بين الصحّة البشريّة والبيئيّةِ أمرٌ بالغُ الأهميّة بالنسبة للملايين من الناس الذين يعانونَ من الأمراض بشكلٍ متكررٍ ويعتمدون مباشرةً على الموارد الطبيعيّة في معيشتهم. ويوضّحُ المسؤولون عن برنامج المنظّمة الوطنيّة للعلوم للأنظمة الطبيعيّة والإنسانيّة أنّ الأشخاص الأصحّاء أفضل للبيئة؛ لأنّك عندما تشعر بالرضا يمكنك التخطيطُ للمهام التي تحتاج إلى إنجازها بعنايةٍ أكبر، أما عندما تكون مريضاً، فغالباً سترغب فقط في إنجاز الأمور بسرعة، ممّا قد يؤدّي إلى هدرٍ ولا مبالاةٍ أكبر. ويوضّح هذا المشروع علاقاتنا نحن البشر المعقّدةَ مع العالم من حولنا، كما يركز المشروع على دراسةِ هذه الروابط وتحديدها وإلقاء الضوء على الارتباط بين تغيير البيئة وآثارهٍ المُحتمَلة على الاقتصادات البشريّة والنظم الصحيّة والاجتماعيّة وهذا هو الهدف الرئيسي من برنامج المنظّمة الوطنيّة للعلوم.

المزيد من المقالات...