24
الجمعة, مايو

كراتٌ شهيّةٌ مميزةُ الطعمِ والمنشأ.. شعورٌ ربيعيّ لذيذٌ في البداية وعطشٌ في النهاية، ونكهاتٌ وأنواعٌ مختلفة.. من منّا لا يعرف الشنكليش أو يحبّه؟ هل تساءلتُم يوماً عن تركيبه وطريقة تصنيعه؟ ماذا عن الأحياءِ الدقيقة التي تُساهم في إنتاجِهِ عبر تفاعلاتها العديدة؟ هل يمكن أن تكون تلك الأحياء سامّةَ!؟ هذا ما سنتحدث عنه في مقال اليوم..

من الصّعب أن نجدَ شخصاً لم يسمع بالشنكليش سابقاً، فهو منتجٌ اقتصاديّ هامٌ في الشرقِ الأوسط، ويعرف أيضاً باسم السوركي (وهي الشنكليش غيرُ الناضجِ)، ليّنُ الملمسِ، ومتوسط المذاق. ويصنّفُ الشنكليش كأحدِ أنواعِ الجبنة المُشتقّةِ من حليبِ الأغنامِ أو الأبقارِ أو الماعز، ويُنتجُ بشكلٍ رئيسيّ في سوريا ولبنان، كما يُصنع في فلسطينَ ومصرَ وتركيا، مع اختلافاتٍ واضحةٍ بين الشنكليش السوريّ والمصريّ. تكثرُ صناعةُ الشنكليش بشكلٍ عامٍ في المناطقِ ذاتِ المناخِ القاسي، وخاصةً تلكَ الجافةِ والجبليةِ القريبةِ من الساحل.


Image: QuéBarato!

تصنيع الشنكليش:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
يُنتجُ الشنكليش عبرَ عمليةِ تخثيرٍ حامضيةٍ مالحةٍ (نسبةُ الملح حوالي 2%) وذلك مروراً بالخطواتِ التالية:


Image: http://www.syr-res.com/?3462

يُبسترُ الحليب بهدفِ القضاءِ على قسمٍ كبيرٍ من الأحياء الدقيقة المتواجدةِ في الحليب الطازج، وذلكَ عبرَ تسخينِهِ إلى الدرجةِ 63 مئويةً لمدةِ نصف ساعة. وبعد أن تفتُرَ حرارةُ الحليب، يُضافُ إليه القليلُ من اللبنِ الرائب ويتركُ 3 ساعاتٍ يتحولُ خلالَها هو الآخر إلى لبنٍ رائب.
يُخضّ الحليبُ الرائب مع ضعفِ كميّتِه من الماء وتُفصل الزبدة عن العيران في آلةِ الخض التي يمكن أن تكون يدويةً أو آليةً، لتأتي هنا مرحلةُ "التقريش"، والتي تعدّ بدايةَ الطريق الذي سيودي بنا إلى منتجِنا المكوّر المحبّب، وفيها يُغلى العيرانُ مع بعضِ الملح على نارٍ هادئةٍ للحفاظِ على جودةِ الجبنة الحامضية وفصلِها عن المصل، وتعرف هذه الجبنة الحامضية باسم القريشةِ أو جبن القريش. وما أن يبدأ الغليان حتى تُرفع القريشةُ عن النار وتتركُ لتبرد، فترقدُ وتنفصلُ عن المصل ثمّ تُلفّ بقماشةٍ نظيفة وتُضغط للتخلص من أكبر كميةٍ من الماء، وهو الهدفُ ذاتُه الذي تجري من أجلِه عملية التمليح. وفي اليوم التالي، نكون قد حصلنا على منتجٍ جافٍ يسميهِ البعض بالشنكليش الأخضر أو النيء.

وهنا تُتابعُ أمهاتنا عادةً عمليةَ التمليحِ وإضافةَ الفلفل بكمياتٍ معتدلةٍ، فقلّة التمليح ستُسبّب تعفّنَ الشنكليش وكثرتُهُ تعطي طعما مراً غيرَ مرغوب. ولا بدّ أن العديد منّا قد شهِدوا هذه المراحلَ في منازلِهم، إذ تجتمعُ بعد هذه العمليات الأيدي لتعملَ على تكويرِ الشنكليش على شكلِ كراتٍ قطرها 4-6 سم، ثمّ تُشمّس على صوانٍ مغطاةٍ باستمرار بقماشٍ نظيف حتى تمام الجفاف، وفي غضون ثلاثةِ أيام يكون الشنكليشُ قد جفّ تماماً، ويسمى هنا بالشنكليشِ اليابسِ أو السوركي.
يُحفظ الشنكليش اليابسُ عادةً في جرّاتٍ أو أكياسٍ أو أوعيةٍ بلاستيكية وتوضعُ في مكانٍ دافئٍ لتهيئةِ المناخ الملائم لنموِ فطور العفن الزرقاء والخضراء Blue green molds التي تشكّلُ تلك الطبقة الخارجية المميزةَ للكرات الجافة.


Image: Taringa

يُغسل الشنكليش وتُزال تلك الطبقة الناتجة عن نمو العفن ثمّ يُغلّفُ أو يُحفظ بزيتِ الزيتون كي نستمتع بمذاقِه الشهيّ لمدة تدوم عاماً كاملاً، ولأن المدن السورية عوّدتنا على تميّزها وتفرّد كل منها بعادات خاصّة، فإننا نجد تلك الكرات مغطّاةً بالفلفل في حلب، وبالزعترِ البري الجاف أو مزيج من التوابل أو الزعتر في الساحل السوري. كما يُضاف اليانسون أحياناً إلى هذا المزيج المتكامل من النكهات الشهية، وتعتبر تغطيتُهُ بمسحوقِ الفلفل الحار ذات شعبيةٍ خاصةٍ في سوريا معطيةً إياها لوناً أحمرَ محبباً.


Image: tareekaa.com/ Taste of Beirut

أصبحَ بإمكانكم الآن أن تستمتعوا بالشنكليش مع قطعٍ صغيرةٍ من البصلِ والطماطمِ والسلطات والبصل الأخضر، فيُطلقُ عليه اسم الشعفورة أو الشعيفورة.

Image: Syrian Foodie in London

لماذا إذاً يختلفُ تركيب الشنكليش من منزلٍ أو مكانٍ لآخر؟

المزيد من المقالات...