06
السبت, مارس

أوبرا الاختطاف من السراي ... رياح شرقية في قلب أوروبا

سلسلة الأوبيراهات
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
أوبرا الاختطاف من السراي، هي أوبرا مسرحيّة مؤلَّفة من ثلاثةِ مقاطِعٍ مِن تِأليفِ "فولفغانغ أماديوس موتسارت"، النَّصّ الألماني الأوبرالي من كتابة المؤلِّف "كريستوف فريدريك" مع تعديلات من الكاتب "غوتليب ستيفاني".
تدور أحداثُ الأوبرا عَن محاولةِ البطل "بليمونت" بِمسَاعدةِ خادمِهِ "بيدريلو" لإنقاذِ محبوبتِهِ "كوستانزا" مِن حرملك السّلطان سليم باشا. عُرِضَ هذا العمل لأّوَّلِ مرَّةٍ في فيينا في السادس عشر من تمّوز عام 1782.
رعى هذا العمل شركة (ناشيونال زينغشبيل)، والتي كانت جزءاً مِن مَشروعٍ ابتدأ عام 1778 من قِبَل الإمبراطور النِّمساوي "جوزيف الثاني"، لِتكونَ ندّاً بأعمالِها للأوبرا الإيطاليَّة التي انتشرَت بشكلٍ واسعٍ في فيينا في ذلك الوقت، كان المفوَّض لهذا المشروع "غوتليب ستيفاني"، أثمر عنها الكثير من الأعمال القيِّمة، وهذه الأوبرا كانت النَّجاح السَّاحق لِهذا المَشروع.
عندما وصلَ موتسارت إلى فيينا باحثاً عن فرص الإحتراف، كان آخذاً على عاتقِهِ أن يرتبطَ بعملٍ مع "ستيفاني"، وأصرَّ موتسات عليه أن يَتعاونَا في عملٍ لَهُ، وتمَّ ذلك بعدَما موتسارت أدهَشَ ستيفاني عندَمَا عَرَضَ عليه عملَهُ السَّابق (زايدي)؛ وهي أوبرا بَدَأ موتسارت بتأليفها سنة 1778ولم يُنهها، فـقَبِل "ستيفاني" أن يجدَ له مادةً مناسبةً وأن يحضِّرَ له نصّاً أوبراليَّاً.
تلقَّى موتسارت النَّصّ الأوبرالي من "ستيفاني" في 29 تمّوز عام 1781، كانت لديهِ فرصٌ ضئيلةٌ ليؤلّف باحترافيةٍ خلال الصيف، وقرَّر أن يعملَ على النَّص الأوبراليّ بخطىً سريعة جداً.
كشفت رسالة لأبيه "ليوبولد" تشيرُ إلى أنَّ موتسارت كانَ متحمِّساً جدَّاً لإمكانيَّة تَأديةِ عملِهِ في فيينا، وأنَّهُ عَمِلَ بابتهاجٍ ليتمَّ ذلك.

في البداية ظنَّ موتسارت أنَّ لديه شهرين فقط لإتمام عملِهِ، لأنَّ كانت هناك نيَّة أن يتمَّ عَرضُها في أيلول بمناسبةِ قُدومِ الدوق الروسيّ "بول" (ابن كاثرين العظيمة والوريث للعرش الروسيّ)، ولكن قُرِّرَ عرضَ أوبرا لـ"غلوك" عوضاً عن ذلك، مُعطِياً لموتسارت المزيدِ من الوقت لإنجازِ عملِهِ.
قرَّرَ موتسارت أن يقومَ بإعادةِ صياغةِ النَّصّ الأوبراليّ مُصرَّاً على "ستيفاني" أن يقومَ بتغييراتٍ مِن أجلِ ضمَان التَّأثيرِ الدراميّ والموسيقيّ، ونجحَ بذلك، وأُخِّرَ العمل عدّة شهورٍ أُخرى.
(الاختطاف من السراي) كانت من أسلوب (Singspiel) أو التَّمثيل الغِنائيّ، أي إنَّ الكثيرَ من أحداثِ الأوبرا استندَت على حوارٍ ومُحَادثةٍ، لذا كانَ ينقصُهُ النَّغمُ الموسيقيّ والإلقاءُ المُلحَّن.
كان العمَلُ مرحاً وهزليَّاً، مع القليلِ من العُمقِ والمشاعرِ السَّوداء، ومستوحى من الاهتمامِ المعاصر للنَّاس بثقافةِ الإمبراطوريَّة العثمانيَّة الغريبة عنهم في تلك الأثناء، إذ كانت خطراً عسكرياً محدقاً على الإمبراطوريَّة النمساويَّة.
كانَ عَملُ موتسارت يتضمَّن موسيقى تركيَّة معمولةً بقالبٍ غربيٍّ، بنَاهَا على موسيقى لفرقةٍ موسيقيَّةٍ انكشاريَّةٍ بعملٍ سابقٍ له، ومثل الكثير من الأعمالِ الكوميديَّة أدخَلَ عناصرَ Commedia Dell'arte"" أو"Comedy of Craft" وهو شكلٌ من أشكَالِ المسرح الذي يَتميَّزُ بالأقنعةِ والذي بَدَأ في إيطاليا في القرن السادس عشر.
كانَت مظاهرُ هذه الأوبرا متطابقةً مع النَّظرةِ الأوروبيَّةِ للسِّمات الشرقيَّة آنذاك كالحرملك الخاصّ بالباشا، والاستبدادِ والطّغيانِ مع إضافةِ المشَاهدِ الجنسيَّة، ولكنَّها تحدَّت الانطباعات السَّيِّئة المأخوذة عن الأتراك بعرضِ صفاتِ الرَّحمةِ واللاأنانيَّة مِن إحدى جوانبِ شخصيَّة الباشا.

فصول الأوبرا:
المكان: تركيا، قصر الباشا.
الزمان: القرن الثامن عشر.
الفصل الأوَّل:
يَدخلُ بيلمونت، باحثاً عن خطيبتِهِ كوستانزا وخادمتِها الإنكليزيَّة الشَّقراء اللتان وقعَتَا بينَ أيدي القراصنة الذين باعوهما للسّلطان سليم باشا (مقطعها الغنائيّ: سوف أجدها بالتَّأكيد هنا). يَدخلُ عثمان(أو أوسمين)، خادم الباشا سيء المزاج، ليقطفَ التِّين متجاهلاً سؤال بيلمونت (في المقطع الغنائيّ: قَد تَعتقدُ أنَّك وجدتَ الفتاة)، وهنا يُحاوِلُ بيلمونت مرَّة أخرى أن يحصلَ على أخبارٍ من خادمِهِ بيدريلو. الذي يعملُ كخادمٍ في قصر الباشا، فيردُّ عليه عثمان مع الشَّتم ( سيدي، لِيأخذَك الشيطَانُ أنتَ وأغنيتك)، بعدَها يغادرُ بيلمونت شاعراً بالقرف. فيدخلُ بيدريللو ويصبُّ عليه عثمان غضبَهُ لمحاولتِهِ مساعدة بيلمونت، منذراً إيَّاه على القتلِ بشتّى الطُّرق (المقطع: هؤلاء الفتيان الذين يتجسَّسون). يُغادِرُ عثمان ويدخلُ بيلمونت ويتَّحد مرّةً أخرى مع بيدريللو، ويبدءان سويَّةً بالتَّفكيرِ بكيفيَّة إنقاذِ كلٍّ من كوستانزا وخطيبة بيدريللو، الشَّقراء خادمة كوستانزا: (كوستانزا، كوستانزا لأراكِ مرَّة أخرى...آه إنَّ قلبي يرتعش).
هنا يظهرُ سليم باشا على المسرَحِ ويبدأ كورس من الإنكشاريين بالغناء :(غنّوا لسليم الباشا العظيم). وتظهرُ معَهُ كوستانزا التي أحبَّها السلطان كثيراً. يبدأ بيدريلو بمحاولةِ إدخَالِ بيلمونت إلى القصر عن طريق جعل الباشا يقتنعُ بتوظيفِهِ كمعماري في القصر، ويبدأنِ بعدَها بالبحثِ عن الفتاتينِ داخلَ القصرِ، فَيقفُ عثمان خادم السلطان مجدَّداً في طريقهم. فيهربان منه مسرعين :(امشِ! امشِ! امشِ! لنبتعدَ بسرعةٍ!).

الفصل الثّاني:
يبدأ الفصل بمحاولةِ عثمان مُداعبةِ الخادمَةِ الشَّقراء فتصدُّهُ وتهدِّدُه بخرمشتِهِ في عينهِ. يُغادر عثمان. تأتي كوستانزا وتحيّي الشقراء بحزنٍ وتغنِّي: (ما هذا الأسى الذي يغمر روحي... أسى لا متناهٍ يُعذّب روحي)، وتخبرُهَا أنَّ سليم باشا يطلبُ معاشرتَهَا ويهدِّدها باستخدامِ القوَّة.
عندما تُغَادرُ كوستانزا، يظهرُ بيدريللو ويتَّجه نحو الشَّقراء (محبوبته) ويُعلِمُهَا أنَّ بيلمونت في المكان ويخطِّطُ لأنقاذِهِمَا. يمتلأ قلبُ الشَّقراءِ بالسَّعادة وتغنِّي بعدَها مقطعَهَا الغنائيّ(السعادة! يومٌ سعيد!).
المشكلة الرَّئيسيَّة كانت في تصيد عثمان لِحركاتِهِم، فيدعوه بيدريللو إلى شراب، متأملاً أن يَجعلَهُ ثملاً لأخذِ الوقت الكافي للتَّحرك: (مقطع: الآن بيدريللو، الآن للمعركة!). وَقعَ عثمان في الفخ وشرب لحدِّ الإغماء، وبسرعةٍ بعدَها التقى الأحبَّاء مع بعضهم :(بيلمونت ! عزيزي!). يسأل باليمونت وبيدريللو محبوبتيهما إذا ما ظلَّتا مخلصتين لهُمَا في فترةِ احتجازهما! ويردَّانِ عليهما بنقمَةٍ وكرهٍ. لكنَّ الفتاتين سامحتا البطلين على الفورِ، ويُسدَلُ السِّتارُ وينتهي الفصل الثَّاني عندها.

الفصل الثالث:
يدخلُ بيليمونت وبيدريللو إلى الحديقةِ ومعهُمَا السَّلالم وهُما يغنِّيانِ :(فقط الحبُّ سوفَ يرشدني الآن)، ولكن قبضَ عليهم عثمان من جديد! وقد أفاقَت القلعَةُ على صوتِهِ هذه المرة: (أها قد أتت ساعة انتصاري!)، ويسلِّمَهُم للباشا سليم للوقوفِ أمامِ القضاء.
يتوسَّل بيلمونت للباشا للإبقاءِ عليهم أحياءَ مخبراً إيَّاه أنَّ أباه (لوستادوس) نبيلٌ إسبانيٌّ وحاكمٌ لوهران، وأنَّه بالتَّأكيد سيدفَعُ فديةً كبيرةً لإطلَاقِ سراحهما. ولكن لسوءِ الحظ، سليم باشا و(لوستادوس) أعداءٌ منذُ زَمَنٍ بَعيدٍ. يبتهج الباشا بفرصةِ قتلِ ابن عدوِّهِ اللّدود، ويُعطي الفرصة الأخيرة لبيلمونت، ولكن قرَّر لاحقاً أنَّه مِنَ الأفضَلِ تركهما يعودان. وينالا حريتَهُما. والذي زادَ عثمان نقمةً والذي كان يُفضِّلُ أن يُعدَما بأكثرِ الطرقِ وحشيَّة :(رحمتكم النبيلة تجاوزت الحدود).
النهاية.

تحوي هذه الأوبرا أحدَ أصعبِ وأكثرِ الأنغامِ إذهالاً كمَا سنستمِعُ بعدَ قليلٍ، ففي المشهد الثَّالث في نغمةِ "O، wie will ich triumphieren" (أي ها قد أتَت ساعةُ انتصاري) التي غنَّاها عثمان تمَّ النزولُ مرَّتين إلى نوتة D2، أحدُ أخفضِ النوتات التي تمَّ غناؤها:

وأكثرُ الأنغامِ شهرةً في هذه الأوبرا أيضاً نغمةَ "Martern aller Arten" والتي كانت تحدِّياً مثيراً للسوبرانو.
البراعة الفنيِّة الرَّاقية لهذهِ الأدوار تَعزى إلى حقيقةِ أنَّ موتسارت عندَما أخذَ على عاتقِهِ تأليف هذه الأوبرا، كانَ على علمٍ مسبقاً بسمعةِ وصيتِ المُغنيين الذين كانَ يكتبُ لهم.
"عثمان" الأوَّل كان "لودفيغ فيشر" المعروف بمجالِ صوتِهِ الواسعِ والخِبرَةِ بالقفزِ بينَ النوتَات و"كوستانزا" كانت "كاترينا كافلييري" المعرُوفةُ بمرونَةِ حَنجرتِها.

هنا نُورِد طاقمَ العملِ في أوَّل مرَّةٍ عُرِضَت فيها هذه الأوبرا سنة 1782:


Image: Syrian Researchers

تمَّ استعمالُ ألاتٍ خاصَّةٍ لإعطاء الطَّابعِ التُّركي أحياناً للألحانِ: مثل السيمبال، البيكولو، المثلث والطبل الجهير.
أوبرا الاختطاف من السراي كانت نجاحاً باهراً لموتسارت، فأوَّلُ عرضينِ لهَا كسَبَ منهما موتسارت مَبلَغاً كبيراً مِنَ المَالِ، وتَمَّ عرضُها تكراراً في فيينا وفي أكثرِ مِن مَدينةٍ أُخرى طوالَ حياتِهِ، كمَا رَفعَت مِن شأنِهِ بشكلٍ واضِحٍ بينَ العامَّةِ كَمؤلِّفٍ مُوسيقيٍّ بَارِعٍ.
لسنتَمِعَ سويَّةً إلى أهمِّ المقطوعات الواردة في هذه الأوبرا:
1- الأوبرا كاملة:



2- المقدِّمة الموسيقيَّة للعملِ بشكلٍ منفصلٍ- فيينا فيلهارمونيك بقيادة فابيو لويساي:



3- آريا عثمان في المشهد الثالث ( ها قد أتت ساعة انتصاري)- أداء كورت مول:



4- مقطع "Martern aller Arten"- بأداء السوبرانو ديانا دامراو:



5- مقطع فرقة الإنكشارين وهم يغنون تحية إلى الباشا الكبير:
Singt dem großen Bassa Lieder"



6- مقطع الغناء والمديح للباشا سليم في المقطع الأخير من الفصل الثالث:
أ. تمثيل غنائي على المسرح:



ب. الغناء بوجود النوطة المرافقة له:



لقراءة مقالنا عن موتسارت من هنا
لقراءة مقالنا عن أوبرا موتسارت "الناي السحري" من هنا

المصدر: هنا