19
السبت, اكتوبر

على امتداد القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ، كانت معظم البلدان التي تدين شعوبها بالإسلام محتلَّة من قبل الدول الأجنبية وبالأخص الأوروبية التي أدارت اقتصادات وثروات تلك البلدان بطرائقها الخاصة وبما يخدم مصالحها الخاصة. رفض معظم سكان تلك البلدان من المسلمين ( فيما عدا النخبة المحلية وأصحاب المناصب) الدخول في تعاملات مع المؤسسات المالية الأجنبية التي أنشأها المستعمر في بلادهم وذلك خشية التعامل بالربا الذي يعتبر جريمة في شريعة المسلمين.

مع حصول هذه البلدان على استقلالها بدءاً من منتصف القرن العشرين كثرت النقاشات حول كيفية تطوير وضعها الاقتصادي. وكان من بين الحلول المقترحة التحول من النظام الربوي إلى نظام مالي إسلامي متكامل. كان العلماء والكتاب في تلك الفترة ينتقدون الرأسمالية والشيوعية ويشيرون إلى عيوبهما، ويطرحون فكرة الاقتصاد الإسلامي الذي يحث على الاعتدال في الإنفاق، ومساعدة الفقراء وتجنب الهدر والعدالة والمساواة وغيرها من الأفكار المثالية.

في فترة لاحقة تركزت فكرة تطوير (نظام مالي اقتصادي إسلامي متكامل) ضمن إطار محدد هو تطهير البنوك من التعاملات الربوية وجعلها مبنية على العقود المسماة في الفقه الاسلامي.

في الستينيات بدأت فكرة البنوك الخالية من التعاملات الربوية تحظى بتأييد شعبي متزايد وذلك بفضل جهود العلماء والمفكرين في الترويج لها. كان النموذج الأول المقترح للتطبيق هو ( المضاربة المتوازية ) والتي تقوم على فكرة المشاركة في الربح والخسارة. هذا النموذج يساعد البنك في الحفاظ على وظيفته كوسيط مالي ولكن بعيداً عن الربا.

لم يحظ هذا النموذج بالتأييد الكافي من قبل المشتغلين في المجال المصرفي وذلك لعدة أسباب أهمها النظم القانونية التي لا تقدم أي شكل من أشكال الحماية للشخص المموِّل على عكس الحماية المعطاة للبنوك التجارية. والسبب الثاني هو مشكلة الاختيار الخاطئ. ولذلك فقد توجهت الأنظار نحو عقود أخرى كالمرابحة والسَّلَم والاستصناع..

منذ الثمانينات بدأت البنوك الإسلامية تحظى باهتمام أوسع حيث تبنت كثير من الدول فكرة البنوك الخالية من الربا، فتم انشاء أول بنك يقوم بدور الوساطة المالية الإسلامية (بنك دبي الاسلامي) في 1975 .. كما قامت العديد من الجامعات والمؤسسات العلمية العالمية بإحداث تخصص المصارف الإسلامية، بالإضافة إلى إنشاء عدد من المراكز البحثية المتخصصة في هذا المجال. لاحقاً، وفي التسعينيات من القرن الماضي طرأت الكثير من التعديلات والتحديثات على النظام المصرفي الإسلامي ومنها إنشاء صناديق استثمارية وطرح أوراق مالية وأسهم تتوافق مع تعاليم الشريعة الاسلامية، كما تم إطلاق مؤشر داو جونز الإسلامي كمعيار لقياس الأداء الاستثماري للأسهم المتوافقة مع الشريعة.

يا ترى ما هي طبيعة التعاملات البنكية الإسلامية؟؟ هل حققت المصرفية الإسلامية أهدافها كبديل عن التعامل بالربا؟؟ هذه الأسئلة وغيرها الكثير سيتم طرحها في الحلقات التالية..
مصطلحات وشروحات:
عقد المضاربة.. هو عقد بين شخصين.. الاول رب المال.. والثاني هو العامل..
يقوم الشخص الأول (أ) بتقديم رأس المال لصاحب الخبرة الاستثمارية (ب) .. يستثمر (ب) الأموال في مشروع ما.. وتكون نسبة الربح حسب الاتفاق فيما بينهما..أما الخسارة فيتحملها صاحب رأس المال.. ويخسر العامل (المستثمر) جهده.
المضاربة المتوازية.. لاتختلف عن سابقتها إلا أن المستثمر (ب) بعد أن يأخد الأموال من (أ) يدخل في مضاربة ثانية مع (ج) في هذه الحالة صار عندنا مضاربتين:
الاولى بين (أ) و(ب(
والثانية بين (ب) و (ج(
طبعا فكرة المضاربة المتوازية غير مطبقة في الواقع لما فيها من خطورة كبيرة والبنوك اجمالا تتجنب تتحمل هكذا مخاطر..

الاختيار الخاطئ.. عندما يعطي أحدهم أمواله للشخص الغير المناسب بغرض الاستثمار..
يعني صاحب المال مفكر انو الشب شغيل ومشروعه ناجح لكن الحقيقة ان مشروعه فاشل.. المشكلة في المضاربة هي أننا لا نعرف هل العامل (المستثمر) فعلا شاطر بمجاله او لا...

الاستصناع: أحد العقود المسماه في الاقتصاد الاسلامي.. الهدف من العقد هو شراء سلعة بمواصفات معينة.. لتبسيط الفكرة.. لنفرض أن أحدهم يريد شراء طاولة للمطبخ .. ويريدها أن تكون بمواصفات معينة.. سيذهب هذا الشخص الى المصنع ويطلب منه صناعة طاولة بالمواصفات التي يريدها.. والدفع طبعا اما مقدما.. او بعد تسليم الطاولة.. وقد يدفع طالب الاستصناع (المشتري) عربونا ثم يكمل الثمن لاحقا عند تسليم الطاولة..
السلم: من عقود التمويل الإسلامي، يستخدم لتمويل المحاصيل الزراعية.. هناك طرفين في هذا العقد (المشتري ويسمى أيضا رب السلم) و(البائع ويسمى أيضا المسلم إليه).. عقد السلم يشبه إلى حد كبير عقد الاستصناع.. حيث أن المشتري يطلب من المزارع ان يزرع المحصول الفلاني فالنفترض (قمح) ويحدد له الكمية فالنفترض أنها عشرة أطنان.. ويتفقان على سعر محدد.. السعر يدفع سلفا عند توقيع العقد.. وتسليم القمح يكون عند الحصاد..
المرابحة: هو عقد بيع وشراء، يقوم خلالها البنك (كتاجر) بشراء سلعة لنفرض أنها (سيارة) بسعر التكلفة ولنفرض أن كلفتها مليون ليرة سورية، ثم يقوم ببيعها للعميل بسعر التكلفة مضافا له ربحا محددا ولنفرض أن سعر البيع للمشتري مليون ونصف الليرة.. يعني البنك ربح في السيارة نصف مليون ليرة سورية..

المصدر:

هنا

مصدر الصورة :

هنا

في الحلقة الأولى من سلسلة المصارف الإسلامية عرفنا الأسباب الرئيسية وراء إنشاء البنوك الإسلامية والتي تكاد تنحصر في سبب رئيسي واحد ألا وهو رفض المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة لنظام الفائدة العالمي (الربا) وذلك لحرمته في شريعتهم. لكن ما الفرق بين البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية؟ أليست البنوك الإسلامية عبارة عن وسيط مالي يقوم بتوجيه السيولة المالية من المدخرين إلى المستثمرين أم أنها شكل جديد للوساطة المالية؟؟

البنوك هي إحدى أنواع مؤسسات الوساطة المالية التي تشكل جزءاً مهماً في أي نظام اقتصادي في العالم. تعمل هذه المؤسسات على توزيع الموارد بكفاءة بين وحدات الإنتاج في الاقتصاد كما تقوم بإزالة حالات عدم التوافق بين متطلبات كل من المدخرين والمستثمرين، فعلى سبيل المثال عندما تحتاج الشركات الاستثمارية الكبرى لمبلغ كبير من المال من أجل البدء بمشروع استثماري ما فإن أحد خيارات التمويل لديها هو الاقتراض من إحدى مؤسسات الوساطة المالية كالبنوك التي تقوم باقتراض مدخرات صغار المدخرين (وذلك بصورة ودائع بأنواعها المختلفة) مقابل نسبة فائدة محددة تعطى لهم لاحقاً، ثم تُقرِض الشركة الراغبة بالقيام بمشروع ما مبلغ القرض المطلوب وذلك مقابل نسبة فائدة أعلى من نسبة الفائدة الممنوحة للمدَّخرين (أصحاب الودائع). يشكل الفرق بين النسبتين ربح مؤسسة الوساطة المالية. كما تلعب مؤسسات الوساطة المالية دوراً هاماً في توفير خدمات عديدة أهمها السيولة المالية، وإدارة المخاطر، وتوفير المعلومات الكافية التي تساعد المدخرين والمستثمرين على اتخاذ القرار الاستثماري المناسب.

على الرغم من أهمية البنوك التجارية ورغم قيامها بمهمة الوساطة المالية بين المدخرين والمستثمرين بشكل كفء إلا أنها كانت سبباً رئيسياً في أزمات اقتصادية كثيرة على مدار التاريخ الحديث والتي كان من أهم أسبابها عدم الانضباط وسيطرة الجشع على كبار المتعاملين في السوق، بالإضافة إلى غلبة عمليات المضاربة والمقامرة على الأصول المالية. هذه الأسباب وغيرها جعلت مؤسسات الوساطة المالية تبدو اليوم كمؤسسات لا أخلاقية هدفها الأول والأخير الربح حتى ولو كان على حساب المجتمع وقيمه ومصالحه. كان هذا سبباً رئيسياً دفع دول العالم بعد الأزمة المالية العالمية في 2008 للبحث عن بديل أكثر توازناً وعدالةً فتوجهت الأنظار نحو مؤسسات الوساطة الإسلامية (البنوك الإسلامية).

تقوم البنوك الإسلامية على العديد من القيم الأخلاقية كتحريم الفوائد والغرر في تعاملاتها والامتناع عن تمويل كل ما من شأنه أن يضر بالمجتمع كمصانع الخمور مثلاً، كما أن عمليات التمويل التي تقوم بها ترتبط بعملية الإنتاج الحقيقي لا بأصول وهمية. علاوةً على ذلك فإن من أهم أولويات شركات الوساطة المالية الإسلامية تحقيق العدالة والمساواة في المجتمع وليس مجرد الربح.

هناك فروق عديدة بين البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية يمكن اختزالها في الجدول أدناه:


المراجع
هنا
هنا
هنا

مصدر الصورة :
هنا

في الحلقة السابقة عرضنا خلاف أهل الصناعة المالية الإسلامية حول المبدأ الذي يجب أن تقوم عليه المالية الإسلامية. هل يجب أن تبنى على نظام عقود المداينات أم على عقود المشاركات؟ في نهاية المطاف خلصنا إلى أن كلا الرأيين يهدف لتحقيق الأهداف نفسها (عدالة اجتماعية، رفع الظلم الناتج عن نظام الفوائد.. إلخ) سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. في حلقة اليوم سيتم التركيز على واقع البنوك الإسلامية ومدى اختلافها في جوانب معينة وتطابقها في جوانب أخرى مع نظيراتها التقليدية.

على الرغم من حجم التأييد الذي لقيته نظرية المشاركة في الربح والخسارة إلا أن الواقع في المصارف الإسلامية مختلف تماماً من حيث أن معظم هذه البنوك تلجأ لاستخدام عقود المداينات التي تدر عليها ربحاً بدون إقحام نفسها في مخاطر عقود المضاربة والمشاركة. من الملاحظ أن استخدام عقود المضاربة والمشاركة في البنوك الإسلامية قد تقلص كثيراً حتى صار لا يمثل إلا رقماً هامشياً في الميزانيات العمومية الخاصة بهذه البنوك.
الكثير من الكتاب أشاروا إلى الأسباب التي أدت بالبنوك الإسلامية إلى العزوف عن استخدام مبدأ المشاركة في الربح والخسارة (مضاربة، مشاركة). من الأسباب التي تم ذكرها ما يلي:
1- استخدام البنك لمبدأ المشاركة في الربح والخسارة يعرضه للكثير من المخاطر التي يمكن تفاديها بواسطة عقود تمويل أخرى تفي بالغرض المطلوب، فاعتماد عقود التمويل المبنية على المشاركة في الربح والخسارة يعني أن عائد البنك غير محدد، فهو قد يربح وقد يخسر.
2- البنك لا يعرف كيف سيتصرف الطرف الحاصل على التمويل ( المستثمر) بالأموال التي أعطيت له كوكيل عن البنك، هل سيستثمر هذه الأموال في مشروع ذو خطورة عالية أم لا؟ (خطر الوكالة).
3- قوة منافسة البنوك التقليدية وكثرة منتجاتها وتنوعها تجبر البنوك الإسلامية على الانصياع لطلب السوق وتوفير منتجات مالية تكاد تشبه المنتجات المستخدمة في البنوك التقليدية.
4- البنوك عموماً والإسلامية منها خصوصاً من أكثر المؤسسات تنظيماً وتقنيناً، حيث أن البنوك الإسلامية يفترض أن تدخل في الكثير من المشاركات المبنية على الربح والخسارة، وهذا يتطلب تنظيم على مستوى رفيع منعاً لأية مشاكل مالية قد تتعرض لها هذه المؤسسات. التنظيم المبالغ فيه في بعض البلدان قد يؤدي لمنع استخدام منتجات معينة يُتوقَّع أن تشكل خطراً على ملاءة البنك كالمضاربة مثلاً.
5- عقود المشاركات قد تحمل في طياتها الكثير من المشاكل، إذ قد يقوم الطرف الحاصل على التمويل (المستثمر) بإخفاء حقيقة الأرباح عن أرباب الأموال لكي يستأثر بها لنفسه.
6- هل يتقبل العملاء فكرة خسارة ودائعهم بالكامل أو جزءاً منها في حال استثمارهم مع البنك الإسلامي على أساس المضاربة أو المشاركة؟ في الغالب الجواب لا. فكيف يمكن تصور أن يقدم البنك الإسلامي على تطبيق مبدأ المشاركة في الربح والخسارة إذاً؟
7- قلة وعي المودعين بأهمية مبدأ المشاركة في الربح والخسارة وأثره الهام على الاقتصاد ككل. (هذا السبب غير موجود في المقالة لكنه سبب من الواقع).

لهذه الأسباب وغيرها عزفت معظم البنوك الإسلامية عن استخدام مبدأ المشاركات في الربح والخسارة واستعاضت عنها بعقود المداينات.

انتقادات وجهت للبنوك الإسلامية:
الاعتماد على عقود المداينات بدلاً من المشاركة في الربح والخسارة
يعتقد الكثير من المفكرين والاقتصاديين الإسلاميين أن استخدام البنوك لعقود المداينات بشكل واسع يجعلها لا تختلف كثيراً عن نظيراتها من البنوك التقليدية، حتى أنهم أكدوا على أن نشاط البنوك الإسلامية الحالي لا يساعد على إزالة الظلم الموجود في النظام الربوي حيث أن نظام المداينات يحاكي النظام المعمول به في البنوك التقليدية، ففي المرابحة على سبيل المثال يقوم المصرف باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة التي تحميه من مخاطر الخسارة المالية وتضمن له الأرباح.

تمويل المشاريع قصيرة الأجل
كثير من المفكرين انتقد البنوك الإسلامية لعدم تمويلها للمشاريع طويلة الأجل وتفضيلها للمشاريع قصيرة الأجل من أجل تحقيق أرباح سريعة، وهذا يماثل ما تقوم به البنوك التقليدية حيث أنها تفضل المشاريع قصيرة الأجل لأنها تعتمد في عملها على الاحتياطات الصغيرة، وهي بالتالي يجب أن تحافظ على ملاءتها المالية وذلك من خلال قدرتها على تسييل أصولها بسرعة عند الحاجة.

التمويل خاص بالقادرين على منح ضمانات
استخدام البنوك الإسلامية لعقود المداينات في تمويلاتها أدى إلى اعتمادها على الرهونات ومدى ملاءة العملاء وقدرتهم على سداد التمويلات المعطاة لهم. وهذا يحاكي الأسلوب ذاته المطبق في البنوك التقليدية التي تقيِّم كفاءة المقترضين بحجم رهوناتهم وملاءتهم الائتمانية. وبهذا فان النشاط التمويلي في البنوك الإسلامية محصور في طبقة معينة من المجتمع فالبنوك الإسلامية لا تعطي تمويلاً للفقراء على سبيل المثال.
بناء على ما سبق ذكره من سلبيات للاستخدام المفرط لعقود المداينات واعتمادها كطريقة أساسية في التمويل (رغم إباحتها من قبل العلماء) فإنه ينتظر من البنوك الإسلامية استبدال هذا النوع من العقود بعقود أخرى تعتمد على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة حتى يتم تحقيق الأهداف الاجتماعية المنشودة من عدالة ومساواة في توزيع الثروة، حيث أن اعتماد مبدأ المشاركات سيزيد من إنتاجية المجتمع وسيوفر فرصاً استثمارية لكافة الطبقات الاجتماعية على حد سواء، كما أنه سيزيل الشكوك حول المالية الإسلامية ويجعل البنوك الإسلامية مختلفة تماماً عن البنوك التقليدية قلباً وقالباً.

المصدر:
هنا
مصدر الصورة :
هنا

ترجمة:Aladdin Mohamed
تدقيق :Ibrahim Hassan
تعديل الصورة:Don Omar

في الحلقة السابقة كان الحديث عن البنوك الإسلامية بين الواقعية والمثالية، عرضنا خلالها واقع المصرفية الإسلامية المعاصر، و بيَّنا بعض الأسباب التي أدت الى عزوف البنوك عن مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، كما عرضنا بعض الانتقادات التي وُجِّهت للبنوك الإسلامية. اليوم نعرض لبعض التحديات التي تواجه الصناعة المصرفية الإسلامية ونموها، إذ على الرغم من النمو المتسارع الذي تشهده هذه الصناعة، إلّا أن هناك الكثير من التحديات التي تواجه تطورها واستقرارها.. و من أهم هذه التحديات:

 البنية التحتية للمصارف الإسلامية غير متطورة بشكل كاف، مما يؤثر على استقرار المالية الإسلامية. حيث أن تزايد أعداد المؤسسات التي تعمل في هذه الصناعة حول العالم، و اختلاف النظم والقوانين التي تحكمها و اختلاف المجالس الشرعية التي تعمل في هذه المؤسسات جعل من تطوير البنية التحتية الخاصة بالمالية الإسلامية أمراً معقداً قد يستغرق عقوداً من الزمن حتى يتحقق.
يعتمد تطوير البنية التحتية للبنوك الإسلامية بشكل كبير على إيجاد نوع من المواءمة بين القوانين والتنظيمات التي تحكم الصناعة المالية الإسلامية. إذ أنه خلال عقود خلت بُذلت جهود كبيرة لتوحيد الأطر والتنظيمات التي تحكم المؤسسات المالية الإسلامية في شتّى أصقاع العالم، إلا أنه حتى هذه اللحظة لا يوجد إطار قانوني تنظيمي ومحاسبي يحكم هذه الصناعة ويوحدها، مما يجعل مقارنة أداء مؤسسة بأخرى أمراً شبه مستحيل. هذا وعلى الرغم من كل الجهود الكثيفة المبذولة نحو إيجاد صيغة تنظيمية موحدة إلا أن عملية المواءمة تمشي بخطىً متباطئة كما أنها تتعقد أكثر فأكثر مع دخول أطراف جدد عالم المالية الإسلامية.
كما أن اختلاف درجة تطور الصناعة المالية الإسلامية من بلد الى آخر من حيث الحجم والعمر يجعل من الصعوبة بمكان التوصل الى أطرٍ قانونية موحدة، حيث أن المالية الإسلامية في ماليزيا على سبيل المثال متطورة على نحو كبير، بينما مازالت تحبو خطواتها الأولى في بعض الدول كنيجيريا.
 يعتقد الكثير من خبراء الصناعة المالية الإسلامية أن اختلاف الأطر القانونية والتنظيمية التي تحكم البنوك الإسلامية يزيد من مخاطر عدم التوافق مع الشريعة ( هذا النوع من المخاطر يوجد حصراً في المؤسسات التي تعمل في مجال المالية الإسلامية حيث أن أي ربح تحقق من عملية مالية مخالفة لتعليمات الهيئة الشرعية فإنه لا يحق للمؤسسة المالية اعتبار هذه الاموال ربحاً للبنك و يجب صرفها في وجوه الخير). هذا النوع من المخاطر يربك حركة الاستثمار في البنوك الإسلامية ويجعلها غير قادرة على منافسة البنوك التقليدية.
 نقص اليد العاملة ذات الخبرة في مجال الصيرفة الإسلامية، حيث أن معظم الموظفين في البنوك الإسلامية كانوا موظفين في بنوك تقليدية سابقاً مما يعني أنه لا خبرة لهم في البنوك المبنية على المعاملات الشرعية، إضافة إلى أن معظم البنوك الإسلامية لا تقدم دورات تدريبية كافية للموظفين لتزويدهم بالمعارف اللازمة. فتجد أن الموظف في البنك لا يعرف الفرق بين (الربح الناجم عن البيع والفائدة الربوية الناجمة عن الإقراض)، وهذا بحد ذاته يشكل خطراً على صورة البنوك الإسلامية. على الرغم من وجود عدد من المعاهد والمراكز التدريبية في مجال الصيرفة الإسلامية إلا أن نموها ضعيف ولا تسد حاجة السوق لليد العاملة الخبيرة.
 قلة الأبحاث والدراسات المتعلقة بتطوير المنتجات المستخدمة في المصارف الإسلامية مما أدى إلى اعتماد معظم هذه المصارف على المنتجات المستخدمة في المصارف التجارية فتقوم بإجراء التعديلات اللازمة عليها ثم تطرحها لعملائها. المشكلة أن معظم هذه البنوك حصرت نطاق عملها على العقود المسماة في فقه المعاملات ولم تقم بأي تجديد أو تطوير يجعلها مميزة عن نظيراتها التجارية. حتى أنها (كما ذكرنا سابقا) ركزت على عقود معينة (عقود البيوع والتمويلات) وخلَّفت وراءها العقود (المشاركات والمضاربات) التي لو استُخدمت فستكون نقطة الفصل التي ستميزها عن البنوك التجارية.
 تحتفظ معظم البنوك الإسلامية بـما يقارب ٤٠ ٪ من ودائع العملاء على شكل سيولة نقدية وذلك لتلبية طلبات العملاء من السحوبات النقدية مما يمنع البنك من استثمار هذه المبالغ الفائضة. فلو استثمر البنك الإسلامي كل الأموال التي في حوزته فإنه سيعرِّض نفسه لخطر عدم القدرة على الوفاء بسحوبات العملاء اليومية، حيث أن البنوك الإسلامية لا تستطيع بيع تمويلاتها لطرف ثالث كما تفعل البنوك التقليدية إذ أن مبدأ بيع الدين غير جائز عند كثير من الهيئات الشرعية العاملة في البنوك الإسلامية إلا في ماليزيا وبعض الدول المحيطة بها، فإنهم يجيزون بيع الدين بناءً على المصلحة وعلى مبدأ ضع وتعجل ( أي خفف حجم الدين عن المدين يعجل لك في السداد). كما أنه لا وجود لسوق الأوراق المالية الإسلامية في معظم الدول التي تعمل بها المصارف الإسلامية، إذ لو وجدت هذه السوق لتمكنت المصارف الإسلامية من الدخول في استثمارات قصيرة الأجل تمكنها من إدارة سيولتها العالية بصورة مثالية. التحدي الذي يواجه البنوك الإسلامية في إيجاد سوق ثانوية هو عدم وجود الأدوات الإستثمارية المناسبة لتأسيس سوقٍ كهذا. من صفات الأدوات الاستثمارية المطلوبة لتأسيس سوق إسلامية للأوراق المالية للاستثمارات القصيرة الأجل أن تكون ذات عائد مضمون و أن تكون قابلة للبيع في أي وقت، حتى لحظة كتابة هذا المقال لا وجود لهاتين الصفتين في أداة استثمارية واحدة في عالم المصرفية الإسلامية، فما نجده اليوم إما أداة ذات عائد مضمون لكنها غير قابلة للبيع (عقود البيوع والمرابحات) أو أدوات قابلة للبيع ولكن عائدها غير مضمون ( عقود المضاربة والمشاركة).
لا تقف قائمة التحديات عند ما تم ذكره آنفا، إذ أن هناك تحديات أخرى كثيرة تواجه المصرفية الإسلامية كصغر حجم سوق المالية الإسلامية مقارنة بنظيراتها التقليدية التي تضاهيها قوةً وحجماً وانتشاراً حول العالم، إضافةً إلى عدم وجود أداة لتسعير المنتجات في المالية الإسلامية واعتمادها على سعر الفائدة العالمي، إضافة إلى قوة منافسة نظيراتها التقليدية من حيث قدرتها على جذب ودائع العملاء إلى خزائنها لما توفره لهم من خدمات وحوافز (البنوك التقليدية تعطي فوائد ربوية على ودائع المدخرين على عكس البنوك الإسلامية التي لا تعطي عملاءها عائداً على ودائعهم الادخارية).
المراجع:

هنا
هنا
مصدر الصورة :
هنا

تختلف البنوك الإسلامية عن نظيراتها التقليدية في أنها بنوك مبنية أساساً على مبادئ أخلاقية، فهي تحرص على الوفاء بمسؤولياتها أمام المجتمع، وتسعى لتحسين مستوى حياة أفراد المجتمع. كما أنها تختلف من حيث أنها لا تبيح التعامل بأي شكل من أشكال التعاملات المحرمة؛ كالربا أو تمويل المحرمات. نظرياً، يُفترَض أن تقوم البنوك الإسلامية على مبدأ (المشاركة في الربح والخسارة) أي أنه في حالة خسارة البنك في مشروع ما فإن الخسارة تُقتسَم بين العميل والبنك، وهذا يساعد في الحفاظ على ملاءة جانب الأصول في البنك حيث أن جانب المطلوبات كالودائع لن يكون أكثر من جانب الأصول التي يمتلكها البنك. لكن الواقع يشير إلى اعتماد البنوك الاسلامية بشكل مبالغ فيه على عقود المداينات في تمويلاتها كعقد المرابحة مثلا بدلاً من عقود المشاركات.
أدى اعتماد البنوك الإسلامية على عقود المداينات إلى نشوء خلاف بين العلماء والمختصين في الاقتصاد الإسلامي حول أفضلية اعتماد عقود المداينات أو عقود المشاركات في التمويلات. ونتج عن هذا الخلاف رأيين وهما كالآتي:
الرأي الأول: قال به مجموعة من الاقتصاديين الإسلاميين ويتزعمهم الدكتور عمر شبرا. يؤكد هذا الاتجاه على أهمية تطبيق المشاركة في الربح والخسارة لتوافقها مع الشريعة الإسلامية ولأثرها على رفاهية المجتمع، حيث أنه يمكن من خلالها تحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي والتي تتلخص بالعدالة الاجتماعية وتحقيق المساواة في توزيع الثروة.
كثير من العلماء والمفكرين يميلون إلى هذا الاتجاه حتى أن بعضهم يرى بأنه يمثل الروح الحقيقية للمصرفية الإسلامية. لا يرفض مناصرو هذا الرأي التمويلات المبنية على عقود المداينات ولكنهم يعتقدون أن التركيز على عقود المشاركات والمضاربات هو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة المنشودة. وهم يعتبرون أيضاً بأن البنوك الإسلامية هي بنوك غير ربحية بشكل مطلق وإنما هي بنوك ذات مسؤولية اجتماعية تعنى بتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية محددة.
الرأي الثاني: يرى أصحاب هذا الرأي أن البنوك الإسلامية هي بنوك تجارية لها الحق في السعي لتعظيم أرباح أصحابها طالما أن عملياتها تتم وفقاً للشريعة الإسلامية. ويؤكد القائلون بهذا الرأي أن لعقود المداينات الدلائل الواضحة التي تجيز مشروعيتها ويستشهدون بآيات من القرآن الكريم وأحاديث للنبي محمد (ص)، كما أنهم يرفضون إصرار أصحاب الرأي الأول على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة ويرون بأنه لا وجود لنص قرآني صريح يثبت تفوق ذلك المبدأ على مبدئهم المعتمد على عقود المداينات.
يعتقد أصحاب هذا الرأي أن البنوك الاسلامية هي مجرد بنوك ربحية وأن البنوك ليست مسؤولة عن رفاهية المجتمع بشكل مباشر، بل أن الحكومات والمؤسسات الوقفية والخيرية هي المسؤولة عن تحقيق ذلك.
يتبنى أصحاب هذا الرأي نظرية الأيدي الخفية التي تقول باختصار أن تعظيم أرباح الشركات يؤدي في نهاية المطاف إلى رفاهية المجتمع، حيث أن الشركة التي تنتج ما يحتاجه المجتمع وتبيعه بسعر مقبول، فإنها أولاً: تلبي طلبات واحتياجات المجتمع، ثانياً: تحصل على الربح الذي يعني أجوراً أعلى للموظفين، ثالثاً: إن تحقيقها للأرباح سيؤدي إلى نمو نشاطها مما يستدعي توظيف عدد أكبر من الموظفين وهذا ما يعود بالنفع أولاً وأخيراً على المجتمع.
ختاماً، النظريتان تقولان بمسؤولية البنوك الإسلامية الاجتماعية، لكن الأولى تركز على دور البنوك المباشر في تحقيق الرفاهية الاجتماعية فيما تركز الأخرى على دور البنك في تحقيق الهدف نفسه ولكن بصورة غير مباشرة.
المصدر:

هنا
مصدر الصورة :
هنا