23
الخميس, مايو

يبدأُ مترجم الكتاب "آدم فتحي" وهو كاتبٌ تونسيّ-ننصح بقراءة نسخته من الكتاب-، يبدأ بمقدمةٍ عن حياةِ الكاتب "سيوران" حيث يقدّم الانسلاخات الخمسة الّتي مرَّ بها كاتبنا في حياتِه، والّتي أدّت لسوداويّة نظرته في الحياة وعتمة فلسفته.
فلطالما اعتَبر "سيوران" نفسه "فيلسوف بالصّدفة" وأنّه لم يكتبْ لجمهورٍ قط، ومع ذلك فلقد أتحفنا بعدّة كتبٍ و(المياه كلها بلون الغرق) إحداها.

الكتاب مقسّم لعشرةِ فصولٍ، وكلّ فصلٍ فيه عبارة عن مجموعة من الشّذرات والأفكار الفلسفيّة التي تناقش عدّة مواضيع بكثافة وبالكثير من السوداويّة القريبة من الواقع الحقيقي.

الفصل الأول هو (ضمور الكلمة):
تناول فيه الكاتب قوّة الكلمة وأثرها الكبير! فبين الشّك الدّائم الّذي يجول داخلَ عقولنا، واليقين الّذي نحاول الاستناد إليه كالأرض الصّلبة، ترانا نتعلّق بالكلمات.
ومن بين عباراتِ هذا الفصل تصلنا أمنية "سيوران" بالعودة لعصورِ ما قبل اكتشاف اللغة، فالكاتب الّذي لا ينتهي من كتابه لينهيَ نفسَه برأيه، هو كاتبٌ أضاع وقت قارئيه سدىً.

الفصل الثاني (لصّ الأغوار):
يتسلل "سيوران" في هذا الفصل لأغوارنا مفجّراً أفكاره داخلنا، وللشكّ نصيب الأسد في جميع عباراته، فالتردّد دلالة نزاهة التّفكير ولا وجود للمطلق أبداً في عالمه.
أفكارُنا السّائلة _كما وصفها_ تسيل من أغوارِنا فيزعجها النّظام الّذي يحاولُ تطويقَها، وحده الجنون الّذي يَعِد بقيامةٍ قريبةٍ هو ما يدفعنا للحياة يوماً وراء الآخر.

الفصل الثالث (زمن وأنيميا):
يحاولُ كاتبُنا هنا ربطَ الجسد بالزمن، الجسد بأمراضِه العديدة والأعراضِ الّتي تظهر عليه من اضطرابات الأفكار وكذلك الحالات النّفسيّة مثل الغضب والكآبة والفرح.
كما يحاولُ فهم ما يجري داخلَنا، ماذا يعني تقزّزنا من شيءٍ ما؟ أو إحساسنا بالخزي أو الفراغ أو الحزن الّذي نشعر به فجأةً؟
فبين الملل والنّشوة يوجد الزمن، ونعيش تجارِبَنا الخاصّة معه.

الفصل الرابع (غرب):
نلاحظ في هذا الفصل وبعد مرورِ الكثير من أسماءِ الفلاسفة والكتّاب في الفصول السّابقة والإشارة لآراء "سيوران" فيهم إلى حدّ المقارنة بين بعضهم، نلاحظ أنّه تناولَ الغربَ بثوراتِه وحروبِه من نظرتِه الفرديّة.
فنراه يُقرن الحروب بالدّين، وأما التّاريخ فلطالما كان مفخرة جميعِ بلدان أوروبا، باحثاً عن الإنسانيّة النقيّة منقذةً للعالمِ الجديد.

الفصل الخامس (سيرك العزلة):
يدعونا الكاتب هنا إلى رحلةٍ شديدةَ العتمة، حيث الشك والوحدة والعزلة ولا شيء سواهم، يقفُ قليلاً عند علاقتِه بالبشرِ ورأيه بالأمراضِ العقليّة.
الآلام والكآبة التي نحياها ونعيشها لوحدِنا، فجأةً تصبح ذاتَ معنى ويصبحُ لها بُعدًا أعمقَ مما كنّا نظنه بعد قراءتنا لسطور "سيوران".
الفصل السادس (دين):
تحتَ ظلِ التناقض الّذي عاشه الكاتب في طفولتِه بين والده رجل الدّين وبين والدته الّتي لم تخفي ظنّها بكلّ ما يتعلّق بالدّين واللاهوت، وكذلك تأثّره ب "فريدرك نيتشه" الّذي يبدو واضحاً في هذا الفصل، حيث تشكّلت مواقفه المتناقضة من الدين والله والمسيحيّة والكنيسة والعقيدة والخلود بمفارقاتٍ عميقة كان سيّدها في كل كلمة. وللخلود والفردوس والموت، الكثير من الوصف والحكايات.

الفصل السابع (حيوية الحب):
إنّ الحبَ محنةٌ فلسفيّةٌ تضمّ الألم والرّغبة والعاطفة، يطلّ علينا في هذا الفصل المزيد من الأمثلة التّاريخية عن كتّاب كتبوا عن الحب حدّ التّطرّف وعن أناسٍ عاشوا الحب فخلَّد التاريخُ أسمائهم.
مواجهةُ المفردات القرينة، العقل والقلب، الرّجل والمرأة، الشّراسة واللامبالاة، وأخيراً وليس آخراً الإنسان والشمبانزي.

الفصل الثامن (في الموسيقى):
يغوصُ "سيوران" في موسيقاه المميّزة، ونسمع ألحان "تشوبان" و"باخ" و"بيتهوفن" بين جمله لنلاحظَ ضعفه أمام جمال الموسيقى وسحرها حتّى أنه تمنّى لو يمُت بواسطةِ الموسيقى عقاباً له على شكّه الملاصق لأفكارِه بقدرة الموسيقى.

الفصل التاسع (دوار التاريخ):
يعود بنا كاتبنا لبداية نشوء الحياة على هذه الأرض، لزمنِ الأنبياء والمعجزات، وربّما لزمنٍ سابقٍ حيث يبدأ كلّ شيء.
إذ نراه يحيكُ نظرياته الخاصّة بديمومة الحياة القائم على الجرائم المتعاقبة لا المتزامنة في تاريخ الأرض والشعوب.

الفصل العاشر (عند منابع الفراغ):
يعود "سيوران" سيّد السوداويّة للفراغِ والعدمِ مصدر جميع أفكاره وكتاباته، طارحاً الموت والانتحار كحقائق لزجة لا قواعد فيها.

مجموعةٌ من الآراءِ الختاميّة والعبارات التي تبقى سارحةً في فضاء عقولنا منبّهةً حواسّنا ومثيرةً لشهيّتنا وتوقنا للتفكير والتّأمل.

إنّ كتاب (المياه كلها بلون الغرق)، بالفعل يُغرقنا في بحرِ أفكار "سيوران" حتّى لنشعر أنّ كلّ قطرة ماء تتحوّل لمحيطٍ يبتلع مبادئنا وتساؤلاتنا، كتابٌ يحتاج الوقت الكافي للتأمّل بكثافةِ عباراته والتدقيق بأعماقِ كلماته.

يمكننا أيضاً أن نلاحظ جهدَ المترجم بإيضاحِ الكثير من المصطلحات وتفسير آراء الكاتب بكلّ ما جاء ذكره بين أسطره بواسطة الحواشي المستفيضة في الشرح لفهم الكثير مما جاء في الكتاب.
كتابٌ ممتع، مرهقٌ، وغني جداً

المزيد من المقالات...