07
الأحد, يونيو

قطة شرودنغر, الملقّبة باسم "معضلة القياس الكميّ"

مقالات بقلم فيزيائيين وفلكيين معاصرين
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
على الرغم من مضى 116 عاماً على طرح العالم الألماني ماكس بلانك لفكرة الكمّ، إلا أن الخلاف لا يزال مستمرًا بين العلماء حول أسس نظرية الكم.

تخبرنا ميكانيك الكم بأن الكون مكوّن من حقول وليس من جسيمات، وأن الفوتونات والالكترونات وغيرها من الكموميات، عبارة عن حزم من حقل الطاقة التي غالباً ما تتصرّف بطرقٍ مشابهةٍ للجسيمات.

في هذا المقال سنقوم بطرح حل لمشكلة القياس من خلال مثال تجربة الشق المزدوج. لنفرض في هذه التجربة أن الفوتونات تمر عبر الشقين واحداً تلو الآخر. سنُلاحظ أنّ النمط النهائي المتكوّن على الشاشة بفعل الفوتونات هو نمط تداخلي، مما يعني أنّ كل فوتون هو حقلٌ ممتدٌ يمر عبر الشقين في آن واحد.

لكن لنفترض الآن أننا وضعنا "جهاز كاشف الشقوق" على الشقين: وهو جهاز يحدّد أي شق من الشقين دخل كل فوتون، هذا الجهاز يمكنه كشف الفوتون الذي اخترق أحد الشقين فقط وليس كلا الشقين، أي أنّ قراءة النتائج العينية من الجهاز الكاشف تحدّد دوماً إما "الشق1" أو "الشق2" وليس كلاهما. هذه القراءات العينية التي يسجلها كاشف الشقوق هي "قياسات كمية"، ونقصد بالقياسات الكمية أي عملية تتسبب فيها ظاهرة كميّة (كعبور الفوتون من خلال الشق) باستجابة عينيّة ( وهي تسجيل الكاشف إما الشق1 أو الشق2).
كانت المفاجأة ظهور نمط جديد على الشاشة نتيجةً لهذه العملية (أي إضافة الجهاز الكاشف): فبدلاً من الحصول على النمط التداخلي، أظهرت الشاشة أنماطاً بسيطةً كما في تجربة الشق المزدوج الاعتيادية، أي ظهر مقابل كل شق حزمةٌ مبعثرة من الفوتونات متمركزة مباشرةً خلف كل فتحة، وتتناقص كثافتها في المناطق الجانبيّة المجاورة.

لقد تسبّب جهاز كاشف الشقوق بما يعرف بـ"انهيار الحالة"، أي أن حالة مرور كل فوتون عبر الشقين في آن واحد قد انهارت بفعل وجود جهاز كاشف الشقوق وأصبحت الحالة الجديدة هي مرور كل فوتون عبر شقٍ واحدٍ فقط. في الواقع، لو قمنا بتشغيل جهاز كاشف الشقوق فجأة أثناء عبور سيل الفوتونات عبر الشقين بشكل تداخلي، فإننا سنُلاحظ على الشاشة تحوّلاً فجائياً (قفزة كمومية) من النمط التداخلي للشقين إلى نمطٍ مكوّن من حزمتين، حزمة مقابل كل شق، وذلك تماماً عند لحظة تشغيل جهاز الكاشف.

تتنبأ نظرية الكم بأنّ جهاز كاشف الشقوق قد أدى إلى نشوء "تشابك" ما بين الحالة الكمومية الخاصّة بالفوتونات مع الحالة الكمومية الخاصة بالجهاز الكاشف. وبالتالي يعتقد معظم فيزيائيو الكم بأنّه يمكننا التعبير عن الحالة الكمومية للنظام المكوّن من الفوتونات وجهاز الكاشف معاً كالتالي:
حالة "مرور الفوتون عبر الشق1 وقيام الكاشف بتسجيل شق1" متراكبة مع حالة "مرور الفوتون عبر الشق2 وقيام الكاشف بتسجيل شق2".

معنى المصطلح "متراكب مع" هو أنّ كلا الحالتين حدثتا في نفس الوقت، ولقد رأينا فيما سبق مثالاً أبسط للتراكب وهو مرور الفوتون الواحد عبر كلا الشقين عند عدم وجود جهاز الكشف، في هذا المثال يوجد تراكب لحالتين وهما "مرور الفوتون عبر الشق1" و "مرور الفوتون عبر الشق2".

إنّ ظاهرة التشابك الكمي شديدة الغرابة، وقد قام العالم إرفين شرودنغر بتوضيح غرابتها من خلال تجربته الافتراضية الشهيرة. في هذه التجربة توضع قطة مع عداد جايجر (وهو جهاز يكشف عن التحلل الإشعاعي للنواة)، متّصل بطريقة معينة مع نواة مشعة بحيث إذا تحلّلت النواة (بعملية كمومية) سيقوم عداد جايجر بتشغيل آلية معينة تقتل القطة (استجابة عينية). هذا القياس الكمي، من الناحية النظرية، ينتج عنه الحالة المتشابكة التالية:
"النواة لن تتحلل والقطة تعيش" متراكبة مع "النواة تتحلل والقطة تموت".

من الواضح أنّ هذه الحالة المتشابكة تصف قطة حيّة و ميتة بنفس الوقت! وهذا الأمر مستحيل.
هنا تكمن مشكلة القياس...

الحل: لقد أساء الفيزيائيون فهم الحالات المتشابكة!
لم يفهم العلماء تلك الحالات بشكل كافٍ في زمن شرودنغر، لكنهم بدأوا بتحليلها نظريًا و تجريبيًا منذ عام 1964.

في التجارب المخبريّة يتم التعامل عادةً مع أزواج من الفوتونات المتشابكة بدلاً من القطط. تكمن روعة تلك التجارب في أنّه يمكن التلاعب والتحكم بالفوتونات بشكل أسهل بكثير، فمثلا من الممكن أن تتحكم التجارب بما يسمّى بـ"زاوية الطور" * لكل فوتون، وهذا الأمر يستحيل تطبيقه على القطط.
في هذه التجارب، يقوم كل فوتون (ولنسمّيهما فوتون A و فوتون B) باختيارٍ عشوائي ما بين حالتين (ولنسمّيهم حالة 1، وحالة 2)، فنحصل على أربعة احتمالات: (A1، B1)، (A1، B2)، (A2، B1)، (A2،B2.

لقد تبيّن أنه عند ضبط زاويتي الطور بحيث تصبح صفر لكلا الفوتونين، فإنه وفقا لتنبؤات نظرية الكم سيحدث تراكب بين (A1، B1) مع (A2،B2).

لنربط ذلك مع مثال قطة شرودنجر السابق. فإذا اعتبرنا أنّ (A) ترمز إلى النواة مشعة، و (B) ترمز إلى القطة، فسنحصل على الحالة المتراكبة لقطة حية وميتة في نفس الوقت.

لكن عندما قام الباحثون بتغيير أطوار الفوتون ظهر شيء جديد. كانت المفاجأة أنّ حالات الفوتونات لم تتغيّر، لكن "الترابطات" بين حالات كل من الفوتونين هي التي تغيّرت!

قام العلماء بضبط طور A إلى الصفر ثم غيّرو طور B ببطءٍ من الصفر وحتى 180 درجة تقريباً، فوجدوا على سبيل المثال، أنه عندما كان طور الفوتون A صفرًا، وطور B هو 45 درجة، كانت 71% من النتائج متشابهة (أي كلاهما يُظهر الحالة 1 أو كلاهما يُظهر الحالة 2 )، في حين كانت 29% من النتائج مختلفة (أي أنه إذا كان الفوتون الأول في حالة 1، فسيكون الفوتون الآخر في حالة 2).

والجدول التالي يبيّن لنا التغير في ترابط الفوتونين عند تغيير زاوية طور B وتثبيت زاوية طور A عند الصفر


Image: SYR

يُبيّن هذا الجدول بوضوح ظاهرة التداخل. فكما ظهر في تجربة الشق المزدوج ذلك التغيّر التدريجي من "البناء" إلى "الانهدام" التي رصدناها على شاشة العرض، ظهر هنا في تجربة تغيير زاوية الطور لزوج الفوتونات تغيّر تدريجي من حالة "الترابط التام" بين الفوتونين إلى حالة "انعدام الترابط" بينهما كلما زادت زاوية الطور من الدرجة (صفر) حتى (180) درجة.

لكن هذا التداخل من نوع آخر يختلف عن التداخل في تجربة الشق المزدوج البسيطة، إنّ التداخل هنا يحدث في مقدار الترابطات فيما بين الحالات وليست بين الحالات نفسها. فإذن ليست الفوتونات هي التي تتراكب، بل الترابطات بين الفوتونات هي التي تتراكب.

وبالعودة إلى قطة شرودنغر: تُبيّن التجارب أن ما يبدو ظاهرياً كحالة متناقضة هو مجرّد تراكب لترابطات مختلفة بين النواة والقطة، وليس تراكب لنواة أو لقطة. حالة قطة شرودنغر يجب أن تُقرأ بهذه الطريقة:

"نواة لا تتحلّل ترتبط بنسبة 100% مع قطة حية" و "نواة تتحلّل ترتبط بنسبة 100% مع قطة ميتة".
فكّر بها بهذه الطريقة، إن هذا يُعادل تماماً القول بأن: "القطة تعيش إذا لم تتحلل النواة، والقطة تموت إذا تحلّلت النواة". وهذا ليس تناقضاّ وهو بالضبط ما نريده. تم حلّ المشكلة.

* يمثل الفوتون عادة بتابع موجة احتمالية ، الطبيعة الموجية للفوتون تفرض امتلاك الفوتون لزاوية طور هي زاوية طور تابع الموجة و تمثل رياضيا بتابع أسي مرفوعا لعدد تخيلي.

نبذة عن الكاتب

Image: http://physics.uark.edu

ارت هوبسون حاصل على درجة بالموسيقا و الفيزياء وكان استاذ محاضر في الفيزياء في جامعة أركاناس في فايتفيل لمدة 35 سنة قبل ان يتقاعد عام 1999، فأصبخ لديه الوقت ليعمل على مشروع يشرح كيف تعمل الفيزياء الكمومية ، نشر ورقة علمية حاجج فيها بعدم وجود الجسيمات ، وأنه لا يوجد سوى الحقول ، ثم كرس وقته لينشر كتاب حول شرح اساسيات الفيزياء للعامة

المصدر هنا