23
الإثنين, نوفمبر

تعريف بالليزر وخواصه - الجزء الثاني -

فيزياء الليزر
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
ذكرنا في المقالة السابقة أن الليزر يعتمد على تضخيم عدد الفوتونات الصادرة (وليس تضخيم طاقة الفوتون الواحد). وأن أهم ميزات الليزر هي زاوية الانفراج الصغيرة لحزمة الفوتونات الصادرة والترابط Coherence فما معنى الترابط ؟
قبل الحديث عن الترابط لابد من مقدمة بسيطة حول طبيعة الضوء. للضوء طبيعة ثنائية، فهو يبدي نوعين متميزن من الخواص تجعلنا نقول أن للضوء مظهرين:
- المظهر الجسيمي: الضوء عبارة جسيمات منتشرة تسمى الفوتونات ( النظرية الكمومية ).
- المظهر الموجي: الضوء عبارة عن أمواج منتشرة ( النظرية الموجية ).
هذان المظهران متكاملان أي بحسب التجربة التي نجربها نرى أحد المظهرين دون الاخر، ولكل منهما تجارب تدلنا عليه. بعض الظواهر الطبيعية لا يمكن تفسيرها إلا بالمظهر الموجي للضوء، كظواهر التداخل، والإنعراج على سبيل المثال، وبعضها الآخر لا يمكن تفسيره إلا بالمظهر الجسيمي، كالتأثير الكهرضوئي والليزر. فآلية عمل الليزر تعتمد على النظرية الكمومية أي المظهر الجسيمي للضوء. ولكن لشرح معنى الترابط، لا بد من اللجوء إلى المظهر الموجي للضوء.
الترابط في الضوء يعني ببساطة أن الأمواج الصادرة عن المنبع الضوئي تهتز بشكل متوافق، أي تبقى جميع الأمواج أثناء حركتها في الحالة الاهتزازية ذاتها و في كل لحظة كما نلاحظ في الصورة المرفقة. ويسمى المنبع الضوئي الذي يصدر ضوءا مترابطا بالمنبع المترابط، والليزر هو أحد المنابع الضوئية المترابطة. إن معظم منابع الإضاءة المستخدمة في حياتنا هي منابع غير مترابطة تصدر الضوء في جميع الاتجاهات ولذلك نستخدمها للإضاءة في المنازل وأماكن العمل والشوارع، فكيف يستطيع الليزر أن يصدر ضوءا مترابطا؟



تكمن الإجابة على هذا السؤال في آلية الإصدار المحثوث - الذي يدخل في تسمية الليزر و أصل عمله - فما معنى الإصدار المحثوث Stimulated Emission ؟
لفهم آلية الإصدار عموما، والإصدار المحثوث بخاصة، لا بد من عرض موجز عن بنية الذرة وسويّات الطاقة. تتكون الذرة من نواة موجبة الشحنة، وإلكترونات سالبة الشحنة. وتكون الذرة معتدلة كهربائيا، بمعنى أن عدد الالكترونات التي "تسبح" حول النواة مساوٍ لعدد بروتونات النواة (تحتوي النواة على جسيمات أخرى تدعى النترونات وهي معتدلة الشحنة). تتحرك إلكترونات الذرة في مسارات، تسمى سويات أو حالات States، وكل سوية منها توافق طاقة محددة. تسمى السوية ذات الطاقة الأدنى بالسوية الأساسية أو السوية الأرضية Ground state، وتكون الذرة مستقرة حين تكون إلكتروناتها في هذه السوية.
ينتقل الإلكترون من مدار يوافق طاقة E1 إلى مدار اخر يوافق طاقة E2 عند امتصاصه لطاقة جسيم ضوئي(فوتون) تساوي الفرق بين طاقتي السويتين: E(photon) = E2 - E1 وهذه العملية تسمى الامتصاص Absorption. عند امتصاص الفوتون تصبح الذرة في حالة مثارة Excited State وكأي منظومة فيزيائية، تسعى الذرة لأن تكون مستقرة فتتخلص من الطاقة التي امتصتها بإصدار فوتون بعد مدة زمنية قصيرة جدا، تسمى عمر السوية State Life time. يسمى هذا الإصدار بالإصدار التلقائي Spontaneous emission.
ماذا عن الإصدار المحثوث؟
سنفترض الآن ،للتبسيط، أن لدينا ذرة تحتوي على إلكترون واحد كذرة كالهيدروجين. نثير الذرة وهي في سويتها الأرضية عن طريق فوتون مناسب لانتقال الإلكترون إلى السوية الأولى.
قبل انقضاء عمر السوية وعودة الإلكترون تلقائيا إلى السوية الأرضية ، نرسل فوتونا طاقته تساوي طاقة الفوتون الذي امتصته الذرة، فيقوم ب "حث" أو تحريض الإلكترون على العودة إلى السوية الأساسية. والنتيجة فوتونان مترابطان: الأول هو الذي أرسلناه للحث، والآخر هو الفوتون المحثوث.
لكن الواقع ليس بهذه البساطة، إذ لا يمكن أن نحصل على إصدار محثوث بين سويتين للطاقة فقط، بل نحتاج لثلاث سويات طاقية على الأقل (سوية أرضية و أولى و ثانية). تنتقل الكترونات السوية الأرضية عند امتصاص الفوتونات إلى السوية الثانية مباشرة ، وتعود بعد زمن صغير جدا إلى السوية الأولى حيث تبقى مدة من الزمن أطول بكثير من زمن بقاءها في السوية الثانية. وبالنتيجة نحصل على عدد من الذرات في السوية الأولى أكبر بكثير من عدد الذرات الموجودة في السوية الأرضية، وهذا ما يسمى الإسكان المعكوس Population Inversion، وهو شرط لازم لعمل الليزر. يبدأ بعده الإصدار المحثوث ونحصل على ضوء الليزر.
ختاماً، ننوه إلى أن الظواهر الثلاث: الامتصاص والإصدار التلقائي والإصدار المحثوث تدخل في آلية عمل الليزر (أي جميعها تحصل معا ) ولكن بنسب متفاوتة. ولكي نحصل على الفعل الليزري يجب أن يكون معدل الإصدار المحثوث أكبر من معدل الإصدار التلقائي الذي لا يمكن التخلص منه كليا بسبب الطبيعة الإحتمالية للإصدار الذي يخضع لقواعد ميكانيك الكم.
في المقالة القادمة سنختم سلسلتنا بالحديث عن مكونات جهاز الليزر وتطبيقاته

المصدر:
INTRODUCTION TO LASER TECHNOLOGY -Third Edition: Breck Hitz - J. J. Ewing -Jeff Hecht