24
الثلاثاء, نوفمبر

إطلاقُ أولِ ليزرٍ أبيضٍ في العالم.

فيزياء الليزر
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
اُختُرِعتِ الليزراتُ عامَ 1960 وشاعَ استِخدامُها في العديدِ منَ التَّطبيقاتِ، ولكن تَبيَّنَ أنَّ إحدى ميِّزاتِ هذهِ التِّكنولوجيا صعبةُ الإدراكِ، فلمْ يكنْ بمقدورِ أحدٍ توليدُ حُزمِ ليزرٍ ذاتِ ضوءٍ أبيضَ، لكنّ باحثينَ في جامعةِ ولايةِ أريزونا قد حلُّوا اللُّغزَ وأثبَتوا أنَّ ليزراتِ أنِصافِ النواقلِ قادرةٌ على إصدارِ كاملِ ألوانِ الطَّيفِ المرئيِّ وهوَ أمرٌ ضروريٌّ لتوليدِ شعاعِ ليزرٍ أبيضَ.
أوجدَ الباحثونَ رُقَاقةَ نانويَّةَ جديدةً مؤلَّفةَ منْ ثلاثِ قِطَعٍ متوازيةٍ كلُّ واحدةٍ مِنْها تَدْعَمُ عَمَلَ الليزرِ بأحدِ الألوانِ الأساسيَّة.ِ
تتكوَّنُ الرُّقاقةُ النانويَّةُ منْ طبقةٍ رقيقةٍ منْ نصفِ ناقلٍ. تَبْلُغُ مساحَتُها تقريباً خُمسَ سماكةِ شعرةِ الإنسانِ أمَّا ارتفاعُها فهوَ ما يُقارِبُ واحداً بالألفِ منْ سماكةِ شعرةِ الإنسانِ.
بمقدورِ هذا الجهازِ (الرقاقةُ النَّانويّةُ) إصدارُ شعاع ليزرٍ بأيِّ لونٍ مرئيٍّ، لذا يُمْكِنُ ضبطُ الجهازِ ليُصدرَ الإشعاع الليزريّ ضِمْنَ مجالِ الألوانِ المُمْتَدِّ منَ الأحمرِ الأزرق مروراً بالأخضرِ أو أيِّ لونٍ بينَهم، وعندَ جَمْعِ مجالِ الألوانِ كاملاً يَنبَثِقُ شعاعٌ أبيض.
قامَ الباحثونَ بقيادة البروفيسور "كون زينغ نينغ" وهمْ مُهندسونَ في كُليَّةِ ASU’s Ira A. Fulton School of Engineering بنشرِ نتائجِ أبحاثِهم في 27 تموز/يوليو في نسخةٍ الكترونيَّةٍ مُبكِّرةٍ منْ مَجلَّةِ Nature Nanotechnology.
يُقرِّبُ التَّقدُّمُ التِّكْنولوجيُّ الليزراتِ خطوةً لتَكُوْنَ مصدراً أساسيَّاً للضوءِ وبديلاً عَنْ ثُّنائيَّاتِ القطبِ المُصدِرَةِ للضوءِ (LEDs)، نظراً لِامتيازِ أشعةِ الليزرِ عنها بأنّها أكثَرُ إضاءةً وطاقَتُهَا فَعَّالةٌ بدرجةٍ أكبرَ، ويُمْكِنُهَا إصدارُ ألوانٍ أَكثرَ وُضوحاً وإِشراقاً لاستِخدامِها في العروضِ كشاشاتِ الحاسوبِ والتِّلفازاتِ، وقد بيَّنَ فريقُ "نينغ" أنَّ موادَّهُمُ التي صنَّعوها استطاعتْ تغطيةَ ألوانٍ أكثرُ بما يزيدُ عنْ 70% منْ الألوانِ المُتداوَلَةِ صِناعيَّاً.
تطبيقٌ مُهِمٌّ آخَرُ رُبَّما يَكُونُ في مستقبلِ التَّواصُلِ عنْ طريقِ الضَّوءِ المرئيِّ: يُمَكّنُ هذا التَّطبيق مِن استخدامِ منظومَةِ إضاءَةِ الغُرفةِ في كُلٍّ منَ الإنارةِ والاتصالاتِ في آنٍ واحدٍ. لا تزالُ هذهِ التِّقَنيَّةُ قيدَ التَّطويرِ وهيَ تُدْعَى Li-Fi (التَّواصُلُ اللاسِلكِيُّ المُعتَمِدُ على الضَّوءِ) خلافاً لـWi-Fi السَّائِدُ استِخدامُهُ والذي يعتَمِدُ على الأمواجِ الرَّاديويَّةِ، كما سيكونُ الـ Li-Fi أسرع بعشرِ مراتٍ منَ الـWi-Fi المُستَخدَمِ حالياً، كما ستزيدُ سرعةُ الـ Li-Fi المُعتَمِد على الليزرِ الأبيضُ عنِ الـLi-Fi المُعتمد على الثُّنائياتِ المُصدِرةِ للضوءِ من 10 -100 مرَّةَ.
يقولُ نينغ : "قدْ يبدو مفهومُ الليزرِ الأبيضِ للوهلةِ الأولى صعبَ الإدراكِ، وذلكَ لأنَّ الليزراتِ الاعتياديةِ لا يحتوي ضوءُها إلَّا على لونٍ واحدٍ فقط، أي على طولٍ موجيٍّ محدَّدٍ منَ الطَّيفِ الكهرومغناطيسي بدلاً عنْ مجالٍ واسعٍ مِن أطوالٍ موجيَّةٍ مختلفةٍ، أمَّا اللَّونُ الأبيضُ فهوَ يُرى على أنَّهُ مزيجٌ كاملٌ لكلِّ الأطوالِ الموجيَّةِ للضوءِ المرئيِّ"
في الليدّاتِ الاعتياديةِ المُصدِرَةِ للضوءِ، يُطْلَى الليزرُ الأزرقُ بموادَّ متفسفرةٍ لتحويلِ جزءٍ منَ الضَّوءِ الأزرقِ إلى ضوءٍ أخضرَ وأصفرَ وأحمر، وهذا المزيجُ منَ الأضواءِ الُملوَّنةِ سيستشعرهُ الإنسانُ ضوءاً أبيض، وبالتَّالي يُمكِنُ استِخدامُهُ في الإضاءةِ العامَّةِ.
في عام 2011 أنتَجَتْ مُختَبَراتُ Sandia الوطنيّةِ ضوءاً أبيضَ عالي الجودةِ مِنْ أربعةِ ليزراتٍ كبيرةٍ مُنفصِلةٍ، وبيَّنَ الباحثونَ أنَّ عينَ الإنسانِ ترتاحُ للضوءِ الأبيضِ المُولَّدِ عن طريقِ ليزرِ نصفِ الناقلِ أكثرَ منْ ذلكَ المُولّدِ باستخدامِ الليدات، ممَّا حفَّز الباحثينَ على المُضيِّ في تطويرِ هذهِ الليزراتِ.
يقولُ نينغ: "ما تمَّ الحصولُ عليهِ مثيرٌ للإعجابِ، لكن لا يُمكنُ استخدامُ الليزراتِ المُنفصِلةِ لإضاءةِ غرفةٍ أو في العروضِ مثلاً. ما نحتاجُهُ هوَ قِطعةٌ صغيرةٌ واحدةٌ منْ مادَّةٍ نِصفِ ناقلةٍ تُصدِرُ ضوءَ ليزرٍ بكلِّ الألوانِ أو بلونٍ أبيض"
ارتَأى "نينغ" أنَّ الحلَّ الأمثلَ هوَ الحصولُ على بُنيةٍ واحدةٍ لنصفِ ناقلٍ قادرة على إصدارِ كلِّ الألوانِ المطلوبةِ فلجأَ مع طلَّابُه في الدِّراساتِ العُليا إلى التَّقانةِ النَّانويَّةِ علَّهم يصلونَ إلى غايَتِهم.
كانَ الاعترافُ بتلكَ الإمكانيَّةِ الفريدةِ مبكِّراً نوعاً ما، لذا بدأَ فريقُ "نينغ" منذُ أكثرِ منْ عشرةِ أعوامٍ بمتابعةِ الخصائصِ المُميِّزَةِ للموادِّ كالأسلاكِ والشَّرائحِ النَّانويَّةِ، ولزيادةِ الاستفادةِ منْ ميِّزاتِ هذهِ الموادِّ النَّانويَّةِ، بحثَ هوَ وطُلَّابُه في العديدِ منها بُغيَةَ إِنْماءِ رقاقةٍ عاليةِ الجودةِ مُكوَّنةٍ منْ موادَّ عديدة مختلفة اختلافاً كبيراً.
بيَّنتِ الأبحاثُ التي أجرُوها في السَّنواتِ السِتّ الماضيةِ والتي جَرَت بإشرافِ مكتبِ أبحاثِ الجيشِ الأميركي أنَّهُ سيكونُ منَ المُمكنِ إنْماءُ مواد تأخذُ شكلَ أسلاكٍ نانويَّةٍ تمتازُ بامتلاكِها مجالاً واسعاً من فواصلِ الطَّاقةِ. وبذلكَ نحْصَلُ على رُقاقةٍ واحدةٍ طولُها سنتمترٍ واحدٍ تقريباً قادرةٍ على إصدارِ شعاعِ ليزر يُمكِنُ ضبطُ لونِهِ على أحدِ ألوانِ المجالِ المُمتدِّ منَ الأحمرِ إلى الأخضرِ، وتمكَّنوا في وقتٍ لاحقٍ من تشغيلِ الليزرِ باللونينِ الأحمرِ والأخضرِ وبشكلٍ متزامِنٍ باستخدامِ شريحةٍ نانويةٍ مؤلَّفةٍ من موادَّ نصفِ ناقلةٍ، ولكن لتوليدِ اللونِ الأبيضِ يجبُ الحصولُ على اللونِ الأزرقِ، وهو ما يُعتبَرُ تحدِّياً كبيراً بحدِّ ذاتهِ نظراً لفاصلِ الطَّاقةِ الكبيرِ الذي يَتَطَلَّبُهُ والاختلافِ الكبيرِ في خصائصِ الموادِّ.
يقولُ توركدوغان والذي يعملُ الآنَ أستاذاً مساعداً في جامعة Yalova في تركيا "كافَحْنا طوالَ سنتينِ كاملتينِ للحصولِ على موادَّ لها شَكلُ رقاقةٍ نانويَّةٍ قادرةٍ على إصدارِ اللونِ الأزرقِ الضَّروريِّ لتوليدِ الليزر الأبيض" وبعدَ بحثٍ مُعمَّقٍ خرجَ الفريقُ باستراتيجيةٍ تعملُ أولاً على تكوينِ الرقاقة المطلوبةِ ومنْ ثُمَّ تحويلِها إلى مادَّةٍ تحتوي على المُركَّباتِ اللازمةِ لإصدارِ اللونِ الأزرقِ.
وأضافَ توركدوغان : "استناداً إلى معرِفَتِنا الجيِّدةِ فإنَّ استراتيجيةَ الإنماءِ هذهِ تَتَصَدَّرُ طُرُقَ الإنماءِ المُتعارفِ عليها وهيَ تُدعى (عمليةَ التَّبادُلِ الأيونيِّ المُزدوجِ) وقد أوصلَتْنا في نهايةِ المطافِ إلى البُنيةِ المطلوبةِ."
تُمثِّلُ استراتيجية فصلِ الأشكالِ والمُكوِّناتِ تغييراً نوعياً وتقدُّماً هامَّاً، فقدْ مكَّنَتْ منْ إنتاجِ قطعةٍ واحدةٍ مُؤلَّفةٍ منْ ثلاثِ قطعٍ نصفِ ناقلةٍ قادرةٍ على إصدارِ كلِّ الألوانِ اللازمةِ، وبذلكَ أصبحتْ الليزرات ذات اللونِ الأبيضِ مُمكِنةَ الإيجادِ.
يقولُ توركدوغان : "إنَّ هذهِ الاستراتيجية ليستْ هيَ الحالةُ الاعتيادية، فعادةً تكُونُ الموادُّ متزامنةً منْ حيث الشَّكل والتَّكوين."
برغمِ أهميَّةِ ما توصلّوا إليه أخيراً فإنَّ عقباتٍ كثيرةٍ ما زالت تبرُزُ حتّى الآن بشكلٍ يقيّدُ إمكانيةِ استخدامِ الليزرِ الأبيضِ في التَّطبيقاتِ الحياتيَّةِ من إنارةٍ أو عروضٍ، فالطريقةُ التي توصّلوا إليها تتطلّبُ استخدامَ ليزرٍ آخرَ كمصدرِ طاقةٍ لإصدارِ الليزرِ الأبيض، وإحدى الخُطواتِ المهمَّةِ التي يُسعى الفريقُ لتحقيقها هي توليدُ ذاتِ الليزرِ الأبيضِ باستخدامِ الكهرباء.
أظهرت الإثباتاتُ التجريبيَّةُ الموادَّ الأوليَّةَ اللازمةَ للحصولِ على هذهِ التِّقنيَّةِ، وسيتمُّ أخيراً وضعُ حجرِ الأساسِ للّيزراتِ البيضاءِ العاملةِ كهرُبائيَّاً.
المصدر: هنا