11
الأربعاء, ديسمبر

كيف انتهت العصور المُظلمة الّتي مرّ بها الكون؟

علم الفلك
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
حين نُمعنُ النّظر في الكونِ من خلالِ التّلسكوبات المُتوفّرة لدينا ، فإنّنا نتمكّن من رؤيةِ النّجومِ والمجرّات الّتي يعود قِدمها لمليارات السنين، وذلك بسبب شفافيّةِ الوسطِ بين المجرّات "Intergalactic Medium" الّذي يرد الضّوء عبره. لكن لم يكن الحالُ كذلك سابقاً.
بعد حوالي 380 ألف سنةٍ من الانفجارِ الكبيرِ بدأت حِقبةُ إعادةِ الاندماج، حينها بدأتِ الكُتلةُ السّاخنةُ من الجُسيماتِ الّتي يتكوّن منها الكونُ تبردُ لدرجةٍ مناسبةٍ لتجاذبِ الإلكتروناتِ مع البروتوناتِ وتشكيلِ الهيدروجينِ المُعتدل، وهنا بدأتِ العصورُ المُظلمة للكون الّتي استمرّت فترةً طويلة، حتّى بلوغِ عمر الكون نحو 150 مليون سنة. سميت هذه الحقبة باسم "العصور المظلمة" لأنّ الكونَ في تلك الفترة من حياته كان يبدو مظلماً تماماً بلا أيّةِ نجوم. فبالرّغم من توفّرِ الفوتوناتِ بكّثرة إلا أنّ الغاز المعتدلَ ضِمنَ الوسطِ بين المجرّاتِ كان يمتصّ مُعظمَ فوتوناتِ الطّاقةِ العاليةِ من حولِه، ما جعلَ الكونَ ضبابيًا وغير شفّاف، إضافةً الى أنّ النّشاطَ الكونيَّ تراجعَ بشكلٍ كبيرٍ في تلك المرحلةِ وأصبحت مستوياتُ الطّاقةِ منخفضةً بشكلٍ كبيرٍ لفترةٍ زمنيّةٍ طويلة.
لم تمضِ بضعُ مئاتٍ من ملايين السّنينِ حتى ظهرت مصادرُ جديدةٌ للفوتونات النّشطة، ما أدّى إلى تجريدِ ذرّاتِ الهيدروجينِ من إلكتروناتها وإعادتها إلى حالتِها الأيونيّة، فسمحت للضّوءِ أن ينتقلَ عبرَ الوسطِ بينَ المجرّات بسهولةٍ. وعند اكتمالِ عودةِ التّأيّنِ عاد الكونُ شفّافاً ونافذاً للضّوءِ تماماً مرّةً أخرى.
يستخدمُ الفيزيائيّونَ مجموعةً متنوّعةً من الطّرائقِ للتّنقيبِ عن مصادرِ عودةِ التّأين، لمنحنا رؤيةً أعمقَ للمجرّاتِ الأوّليّةِ وبنيةِ الكونِ المُبكّر، وربما خصائصُ المادّةِ المُظلمةِ أيضاً.

مصادرُ الفوتوناتِ النّشطة:
تشيرُ الأبحاثُ الحاليّةُ إلى أنّ معظم - إن لم يكن جميعُ - الفوتوناتِ المؤيِّنةِ جاءت نتيجةَ تشكّلِ النّجومِ والمجرّاتِ الأوليّةِ. يقول برانت روبرتسون "Brant Robertson"، عالمُ الفيزياءِ الفلكيّةِ النّظريّة من جامعةِ كاليفورنيا في سانتا كروز : "إنّ عمليّةَ إعادةِ التّأيّنِ هي في الأساسِ منافسةٌ بين معدّلِ إصدارِ النّجومِ للإشعاعِ المؤيِّنِ من جهةٍ، ومعدّلِ إعادةِ الاندماجِ في الوسطِ بين المجرّات من جهةٍ أخرى".
ومع ذلك، لم يجدْ علماءُ الفلكِ تلكَ المجرّاتِ الأوليّةِ حتّى الآن، ممّا يُتيحُ المجالَ لوجودِ مصادرَ مُحتملةٍ أُخرى لإعادةِ التّأين. فالنّجوم الأوليّةُ وحدها قد لا تكون كافية. وأضاف روبرتسون قائلاً: "لا شكّ أنّ هنالكَ مساهماتٍ لمصادرَ أخرى لإعادةِ التّأيّن، لكنّ النقاشَ حولَ أهميّةِ تلكَ المُساهمات".
يُمكنُ أن تكونَ النّوى المجرَيةُ النّشطةُ "AGN" مصدراً لإعادةِ التّأيّن، فالنّوى المجرّيّةُ النّشطةُ هي أجسامٌ مضيئةٌ؛ مثلَ الكوازاراتِ (وهي النّجومُ البعيدةُ)، الّتي تُزوّدُها الثّقوبُ السّوداءُ بالطّاقةِ وتُطلقُ الأشعّةَ فوقَ البنفسجيّة والأشعّةَ السّينيّة. ومع ذلك لا يدركُ العلماءُ حتّى الآنَ مدى وفرةِ تلكَ الأجسامِ في المراحلِ المُبكّرةِ من عمرِ الكون.
هنالكَ مصدرٌ محتملٌ أكثرُ غرابةً لإعادةِ التّأيّن، وهو نظريّةُ فناءِ المادّةِ المُظلمة. ففي بعضِ نماذجِ المادّةِ المُظلمةِ تتصادمُ الجُسيماتُ مع بعضها البعض، ممّا يؤدّي إلى فنائها وإنتاجِ المادّةِ والإشعاع. يقول تريسي سلاتير "Tracy Slatyer"، المختصُّ في فيزياءِ الجُسيماتِ من معهدِ ماساتشوستس للتّكنولوجيا: "لو أمكننا إيجادُ أدلّةٍ على فناءِ المادّةِ المُظلمة، فمن شأنِ تلكَ الأدلّةِ أن تكونَ مثيرةً للاهتمامِ كثيراً، لأنّها ستزوّدُنا بتقديرٍ لكتلةِ المادّةِ المُظلمة، ومدى شدّة تفاعلها مع النّموذجِ القياسيّ للجسيمات".
كلا النّموذجينِ؛ فناءُ المادّةِ المُظلمةِ والنّوى المجرّيةُ النّشطة، ربّما ساعدا بشكلٍ غيرِ مُباشرٍ على إعادةِ التّأيّن عن طريق توفير حرارةٍ إضافيّةٍ للكون.

سبرُ فجرِ الكون:
سعياً لاختبارِ النّظريّاتِ المُتعلّقةِ بمسارِ إعادةِ التّأيّن الكونيّ، يفحصُ الفلكيّونَ هذه الحِقبة في تاريخِ الكونِ باستخدام أساليبَ مختلفةٍ؛ بما في ذلكَ رصدٌ تلسكوبيٌّ لما يُسمّى "كوزمولوجيا 21 سنتيمتر" بالإضافةِ إلى التّحقيقِ في إشعاعِ الخلفيّةِ الكونيّةِ الميكرويّ "Cosmic Microwave Background".
رغم أنّ علماءَ الفلكِ لم يجدوا حتّى الآنَ دليلاً يُعزّزُ المصدرَ الأكثرَ احتمالاً لإعادةِ التّأيّن، ألا وهو النّجومُ الأوليّةُ، إلا أنّهم ما زالوا يبحثون عن تلكَ الأدلّة.
يستطيعُ الفيزيائيّونَ تقديرَ عددِ الفوتوناتِ المؤيّنةِ الّتي أطلقتها تلكَ المجرّات الأوليّة، من خلالِ تقييمِ سطوعِ تلك المجرّات. يقولُ جون وايس "John Wise"؛ عالم الفيزياءِ الفلكيّةِ من معهد جورجيا للتّكنولوجيا: "ليس هنالك رصدٌ للمجرّاتِ الحقيقيّةِ الّتي تعملُ على إعادةِ تأيّن الكونِ حتّى هذه اللحظة، فحتّى تلسكوبُ هابل لم يتمكّن من رصدها، لكنّ الأملَ قائمٌ بإمكانيّةِ رصدِها عن طريق تلسكوبِ جيمس ويب الفضائيّ".
من المُرجّح الحصولُ على معظمِ المعلوماتِ بالاستعانةِ بطريقةِ كوزمولوجيا 21 سنتيمتر، وقد سميّت كذلك لأنّها تُعنى بدراسةِ الموجاتِ الراديويّة بطولِ 21 سنتيمتر. فالهيدروجينُ المُعتدلُ يُطلقُ الموجاتِ الراديويّةِ بتردّدٍ موافقٍ لهذا الطّولِ الموجيّ، خلافاً للهيدروجينِ المؤيّنِ الّذي لا يُمكنه إطلاقها. ستكشفُ التّجاربُ المُرتقبةُ، كتجربةِ مصفوفةِ حقبةِ إعادةِ تأيّنِ الهيدروجين "Hydrogen Epoch of Reionization Array"، عن الهيدروجينِ المُعتدلِ باستخدامِ التّلسكوباتِ الراديويّةِ المضبوطةِ لرصدِ ذلك التّردد، وهذا من شأنهِ أن يقودَنا لدليلٍ حاسمٍ على مصادرِ إعادةِ التّأيّن.
يقول أدريان ليو "Adrian Liu"؛ وهو أحدُ أعضاءِ فريق هابل من جامعة كاليفورنيا في بيركلي: "إنّ الفكرةَ الأساسيّةَ لكوزمولوجيا 21 سنتيمتر، هي عدمُ النّظرِ إلى المجرّاتِ نفسها، إنّما محاولةُ إجراءِ قياساتٍ مُباشرةٍ للوسطِ بين المجرّات، حيث يتواجدُ الهيدروجين، وهذا يتيحُ لنا، من حيثُ المبدأ، مشاهدةَ إعادةِ التّأينِ مباشرةً عبرَ مشاهدةِ تأثيرهِ على الوسطِ بين المجرّات".
يُمكنُ لعلماءِ الفلكِ إنشاءُ خارطةٍ لتوزّعِ الهيدروجينِ المعتدلِ في الكونِ المُبكر من خلالِ تحديدِ مكانِ تأيّنِ الكونِ ومكانِ عدم تأيّنه. يشرحُ ستيفن فورلانيتو "Steven Furlanetto"؛ عالمُ الفيزياء الفلكيّةِ النّظريّةِ من جامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس ذلك بقوله: "إنْ كانتِ المجرّاتُ هي مصدر الفوتوناتِ النّشطة، فسوف تتشكّلُ فقاعاتٌ من الأيونات حولها. أمّا إذا كان فناءُ المادّةِ المُظلمةِ هو المصدر - علماً أنّ المادّةَ المُظلمة في كلّ مكانٍ- فسيكون التّأيُّن في كلّ مكانٍ عوضاً عن وجودِ فقاعاتٍ من الغاز المؤيَّن".
يُمكنُ للفيزيائيّينَ أيضاً الكشفُ عن مصادرِ إعادةِ التّأينِ من خلالِ دراسةِ إشعاعِ الخلفيّةِ الكونيّةِ الميكروي "CMB". فعندما تتأيّنُ الذّرّةُ عبرَ إطلاقَ الإلكترون، فإنه يتشتّتُ ويعرقلُ إشعاعَ الخلفيّة الكونيّةِ الميكرويّ. وبذلك يُمكن للفيزيائيين الاستفادةُ من هذه المعلوماتِ لتحديدِ زمنِ حدوث إعادةِ التّأيّنِ دونَ الحاجةِ للّجوءِ إلى طريقةِ قياس عدد الفوتوناتِ الّتي كانت لازمةً لإتمامِ المهمّة. فعلى سبيل المثالِ، أفادَ الفيزيائيّونَ في العامِ الماضي أنّ البياناتِ الصّادرةِ عن القمرِ الصّناعيّ بلانك خفّضت تقديرات مدى التّأيّن الّذي نتجَ عن مصادرَ أخرى غيرَ المجرّات. إلا أنّ سلاتير عقّب على ذلك قائلاً: "إنّ إمكانيّةَ تفسيرِ ذلك التّأينِ بسببِ المجرّاتِ النّجميّةِ لا يعني أن ليس هنالك شيئاً آخرَ يتوارى بين البيانات، لذلك نأملُ في الحصولِ على قياساتٍ أكثرَ دقّةٍ لعصرِ إعادةِ التّأيّنِ باستخدامِ تجاربَ أفضلَ كتجربةِ الرّصد 21 سنتيمتر".
من السّابقِ لأوانِه استبعادُ التّفسيراتِ البديلةِ لمصادرِ إعادةِ التّأيّن، فمازالَ الفلكيّونَ في بدايةِ اكتشافهم لهذه الحِقبةِ من تاريخِ كونِنا. يقولُ ليو: "إنّ المُتعةَ الكبيرة في العملِ بهذا المجال هي في أنّنا لا نعرفُ ماذا حدث بالضّبط ".
للمزيد حول الانفجار العظيم وحقبة إعادة الاندماج هنا
للمزيد حول الخلفية الكونية الميكرويّة هنا
المصدر:
هنا