18
الأربعاء, سبتمبر

تشوّهات العمود الفقري: الجَنَف والحُداب

علوم عصبية وطب نفسي
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
تتكوّن عظامُ الظهرِ أو العمودِ الفِقْرِيِّ من مجموعةٍ من الفِقْراتِ المتراصفةِ فوق بعضِها البعضِ، وأقراصٍ فِقْريةٍ تفصل بينها، وتشكّل هذه الفِقراتُ حمايةً للنخاعِ الشوكيِّ الذي يسكن ضمن القناةِ الفِقْريةِ المتشكلةِ على طول العمودِ الفِقْرِيِّ نتيجةَ وجودِ الثقوبِ الشوكيةِ للفِقرات، وهذا يعطي أهميةً كبيرةً لسلامةِ العمودِ الفِقْريِّ نظراً لخطورة ما قد ينجم عن أذِيّاتِ النخاعِ الشوكيِّ، ومن جهةٍ أخرى فهو يشكل محوراً للجسم ويدعم كتلةَ الجسم.
ليس هذا العمودُ الفِقريُّ (إذا نظرنا إليه جانبياً) شاقولياً تماماً، بل يملك انحناءاتٍ فيه تُكسبه مرونةً ومقاومةً أكبرَ وقدرةً على امتصاص الصدماتِ، كما أنها تُكسب الجسمَ مظهراً جمالياً، وهي على نوعين: الحُداب Kyphosis (حيث يكون التقعر نحو الأمام) والقَعَس Scoliosis (حيث يكون التقعّرُ نحوَ الخلف):
- القعس الرقبي.
- الحُداب الظهري.
- القعس القطني.
- الحُداب العَجُزِيّ العصعصي.


Image: http://rad.washington.edu

تتفاوت درجاتُ هذه الانحناءاتِ بين شخصٍ وآخرَ، ولكنها (في الحالة الطبيعية) تبقى محقِّقةً لشرطِ مرورِ الشاقولِ من مركز ثقلِ الجسم.
أما إذا نظرنا إلى العمودِ الفِقريِّ من الخلف فيجب أن يكونَ مستقيماً تماماً وممتداً حتى أسفلِ الظهر.
ولكن عندما يختلّ أحدُ هذه العواملِ أو يزيدُ أيٌّ من هذه الانحناءاتِ الفيزيولوجيةِ عن الحدِّ الطبيعيِّ، تتحول إلى انحناءاتٍ مرضيةٍ وتسمى عندها:
الحُداب Kyphosis: وهو انحناءُ العمودِ الفِقريِّ نحو الأمامِ بشكلٍ قوسيٍّ وبمقدارٍ يزيد عن الانحناءِ الطبيعي.
القَعَس أو البزخ Lordosis: وهو زيادةُ الانحناءِ القَعَسيِّ عن المقدار الطبيعي وذلك في المنطقةِ الرقبيةِ أو القَطَنيةِ (الميلان للوراء).
الجَنَف Scoliosis: وهو انحناءٌ جانبيٌّ للعمود الفِقري.


Image: http://www.knowhowmd.com

الحُداب Kyphosis:
وهو زيادةُ الحُدابِ عن الحدِّ الفيزيولوجيِّ، حيث ينحني الظهرُ بشكل قوسيٍّ نحو الأمام. ويصيب الحُدابُ العمودَ الفِقْريَّ الظهريَّ والعَجُزِيَّ العصعصيَّ وكذلك القَطَنيَّ الرقبيَّ، ولكن إصابةَ الأخيرين (القطني والرقبي) نادرةٌ جداً.
يمكن أن يظهرَ هذا الاضطرابُ في جميع الأعمارِ ولكنْ أكثرُ ما يُشاهد لدى كبارِ السنِّ وخاصة النساءِ على أرضيةِ تخلخُل العظم (ترقّقه) وما ينتج عنه من انهدامٍ وانضغاطٍ للفِقْراتِ، وعند مشاهدتِه عند الأطفالِ أوالمراهقين فإنه ناتجٌ غالباً عن تشوّهاتِ الفقراتِ والعمودِ الفِقريِّ، وقد يكون ناتجاً عن الوضعياتِ الخاطئة.
في الحالة الطبيعيةِ تملك الفِقراتُ شكلاً اسطوانياً وترتصف فوق بعضِها البعضِ بانتظام، ولكنْ عندما تأخذ الفقراتُ شكلاً إسفينياً (حيث ينتهي السطحان العُلويُّ والسفليُّ للفِقرة على حافةٍ حادة) لسبب ما، يظهر الحُداب.


Image: http://www.medicalsy.com

الفقرة إسفينية الشكل

ومن أسباب هذا:
- تخَلخُلُ العَظم Osteoporosis: حيث تنقص كثافةُ العظمِ ومقاومتُه للعوامل الميكانيكيةِ (الآليّة) مما يؤدي لكسورٍ انهداميةٍ وانضغاطيةٍ في الفِقْراتِ منتجةً الحُدابَ، وأكثرُ ما يظهر تخلخُلُ العظمِ لدى كبارِ السنِّ وبوجهٍ خاصٍّ لدى النساءِ بعد سنِّ الإياسِ، وكذلك لدى المرضى الموضوعين على جرعاتٍ عاليةٍ من مضاداتِ الالتهابِ الستيروئيديةِ لمدة طويلة.
- تنكُّس الأقراصِ بينَ الفِقريةِ Disk degeneration: هذه الأقراصُ الشبيهةُ بالوسائد بين الفقراتِ تملك دوراً هاماً في تحمل الأعباءِ الميكانيكيةِ وامتصاصِ الصدماتِ، ولكنها مع التقدم بالعمر تنكمش وتقل مرونتُها مما يزيد من الحُداب.
- داء شُويَرمان Scheuermann's disease: وهو حُدابٌ يظهر في فترة النموِّ السريعِ قبل البلوغ.
- بعض المتلازماتِ، مثل متلازمةِ مارفان Marfan syndrome وداء برادر ويلي Prader-Willi disease.
- الأورام: فالأورامُ في الفِقْراتِ تُضعفها وتؤدي للكسورِ الانهداميةِ، وكذلك المعالجةُ الكيميائيةُ والشعاعيةُ للأورام.
- التشوهات الولادية.
لا يعطي الحُدابُ في الدرجات البسيطةِ أو المتوسطةِ نتائجَ سلبيةً، ولكن في الحالاتِ الشديدةِ سيؤدي للتشوّه في الشكلِ والآلامِ العصبيةِ نتيجةَ الضغطِ على النخاعِ الشوكيِّ والجذورِ العصبيةِ، كألمِ الظهرِ ومن الممكن أن يؤديَ لصعوبةٍ في الحركةِ، إضافةً إلى اضطراباتٍ قلبيةٍ رئوية.
يعتمد علاجُ الحُدابِ على درجتِه وظهورِ الأعراضِ أو غيابِها، حيث يجب بدايةً البحثُ عن السببِ ومعالجتُه، كمعالجةِ تخلخُلِ العظمِ بالأدوية والغذاءِ السليمِ الحاوي على الكالسيوم وفيتامينِ دال، وكذلك يجب تسكينُ الألمِ في حال وجودِه عن طريق استخدامِ المسكّنات. كذلك يمكن اللجوءُ إلى تمارينِ التمطيطِ التي تزيد مرونةَ العمودِ الفِقْريِّ وتخفف الآلامَ، والتمارينِ الرياضيةِ المقوِّيةِ لعضلاتِ البطنِ، والالتزامُ بنظامٍ غذائيٍّ صحي ومناسبٍ لسلامةِ العظامِ والحفاظِ على وزنٍ مناسب، وفي بعض الحالاتِ يمكن استخدامُ مشدّاتٍ معينةٍ وخاصةً لدى صغارِ السن.
في حال زيادةِ الحُدابِ لدرجةٍ كبيرةٍ والضغطِ على النخاعِ الشوكيِّ والجذورِ العصبيةِ، يمكن اللجوءُ إلى الجراحةِ لتصحيحه.
الجنف Scoliosis:


Image: http://www.mayoclinic.org

وهو انحناءٌ جانبيٌّ للعمود الفِقري يظهر غالباً في فترة النموِّ السريعِ قبل البلوغِ، وما يزال العاملُ المسببُ لمعظم حالاتِ الجَنَفِ مجهولاً حتى الآن، ولكن قد تلعب بعضُ العواملِ الوراثيةِ دوراً، أو قد يكون ناتجاً عن أسبابٍ عصبيةٍ عضليةٍ كالضمور العضليِّ والشللِ الدماغيِّ، وكذلك التشوهاتِ الولاديةِ والإصاباتِ الرضِّيةِ على العمود الفِقري.
في معظم الحالاتِ يكون الجَنَفُ في درجةٍ معتدلةٍ، ولكن من الممكن أن يتطورَ لدى بعضِ الأطفالِ بشدة مع نموِّهم معيقاً نشاطَهم، ويتسبب في صغر حجمِ الصدرِ مما يؤدي لصعوبةٍ في التنفسِ واضطراباتٍ قلبيةٍ رئوية، وكذلك للآلامِ الظهرية.
ويلاحَظ لدى المصابِ بالجَنَف العلاماتُ التالية:
- عدمُ تناظرِ الكتفين، وبروزُ أحدِ لوحَي الكتفِ أكثرَ من الآخر.
- عدمُ تناظرِ الوركين، وارتفاعُ أحدِ الوركين أكثرَ من ألآخر.
- بروزُ الأضلاعِ في أحد الجهتين أكثرَ من الجهةِ الأخرى نتيجةَ انحناءِ مُرتَكَزِها على العمود الفِقري.
لا يكون العلاجُ ضرورياً في معظم الحالاتِ، ولكن يجب استقصاءُ المصابين حتى بالدرجات المعتدلةِ (الصور الشعاعية) من أجل التحققِ من إمكانيةِ تقدّمِ الإصابةِ، حيث قد يحتاج بعضُ الأطفالِ لارتداءِ مَشدّاتٍ لمنعِ ازديادِ الجَنَف وتقويمِ الانحناء. ومن الممكنِ اللجوءُ للجراحةِ لهذا الهدف.
وقد يفيد العلاجُ الفيزيائيُّ والتمارينُ الرياضيةُ في علاج الجنفِ وكذلك الحميةُ الغذائيةُ الصحيةُ، كما قد يُستخدم تحفيزُ العضلاتِ الكهربائي.
تلعب العواملُ الآتيةُ دوراً في اتخاذِ خيارِ اللجوءِ للعلاج أو عدمِه:
- الجنس: فاحتمالُ حدوثِ الجنفِ يكون أعلى لدى الإناث.
- شدةُ الجَنَف.
- نمطُ الجنف: الانحناء المضاعفُ بشكل حرف S أكثرُ قابليةً للحدوثِ من الانحناءِ بشكلِ حرف C.
- موقعُ الانحناء: فالانحناءُ في المنطقة الصدريةِ أكثرُ قابلية للحدوث من الانحناءِ في الأجزاءِ الأخرى من العمود الفِقْري.
- البلوغ: حيث يكون احتمالُ الحدوثِ أقلَّ عند توقفِ العظامِ عن النمو.
في النهايةِ يجب التركيزُ على أهميةِ الوضعيّاتِ الصحيحةِ للجلوسِ والاستلقاءِ والانحناءِ، فعلى سبيل المثالِ عند جلوسِك على كرسيٍّ تجنَّبِ التراخيَ والانزلاقَ نحو الأمامِ، خاصةً في حالاتِ الجلوسِ لمدة طويلةٍ، وحاولِ الحصولَ على كرسيٍّ مصممةٍ بطريقةٍ مريحةٍ ومناسبةٍ للحفاظ على استقامةِ الظهر. أما عند المشيِ فعليك المحافظةُ على استقامةِ ظهرِك ونظرِك نحو الأفُقِ متجنباً إمالةَ رأسِك للأمامِ، وعند الوقوفِ حاولْ تركيزَ وزنِك على مقدمةِ القدمِ وليس مؤخّرِها مباعداً بين قدميك بمقدارِ عرضِ الكتفين تقريباً.
وكذلك عليك المحافظةُ على نمط الحياةِ الصحيِّ من تمارينٍ رياضيةٍ وغذاءٍ صحيٍّ، وضرورةِ متابعةِ أيِّ حالةٍ لدى الطبيبِ مبكّراً منعاً لتطورها.

المصادر:
هنا
هنا
هنا
هنا