18
الجمعة, يونيو

ما العالم إلا خشبة مسرح و مانحن إلا أبطال مسرحياته- وليام شكسبير

النهضة الأوروبية و أعلامها
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
نقف اليوم عند أعظم الكتاب الإنجليز على الإطلاق ،شخصية أصبحت رمزا و فخرا وطنيا لبلدها الأم انجلترا.أعماله المسرحية هي الأكثر تمثيلا على خشبات المسارح العالمية و قصائده يتغنى بها الأطفال و يغرق في تفسيرها الباحثون. يعتبر ملهما للكثير من الشعراء و الكتاب الذين عاصروه او الذين تابعوا المسير على خطاه و بالرغم من تواضع منشأه إلا أنه ترك للعالم إرثا لايقل عن 37 مسرحية و مجموعة من القصائد الغنائية أو مايعرف ب Sonnets . قام بتأسيس المسرح الأسطوري The Globe Theater و ترك أثرا كبيرا على اللغة الإنجليزية وأثراها بالمصطلحات. و لعل هذا التقديم يقف عاجزا عن تكريم رجلنا المنشود إلا أنه نبذة مختصرة عن عظيم ماحققه.
نعم إنه ويليام شكسبير و معا سنتعرف سويا على نقاط هامة في حياته.
طفولته و حياته العائلية:
ولد شكسبير في ستراتفورد ابون ايفون وهي بلدة تبعد 100 ميل عن شمال غرب لندن. تم تعمييده في كنيسة البلدة بالسادس و العشرين من شهر نيسان عام 1564 إلا أن المتعارف عالميا على ولادته هو تاريخ الثالث و العشرين من نيسان، أي نفس التاريخ المصادف لذكرى وفاته عام 1616 و ذكرى الاحتفال السنوي بالقديس جورج الشفيع في انجلترا.
والده جون شكسبير كان يعمل بالزراعة و تجارة الصوف و الجلود و تنوعت المهن التي مارسها حتى شملت بيع الأراضي و إدانة الأموال مما تركه لاحقا مدينا في اواخر الثمانينات من القرن السادس عشر. تزوج من ماري اردن و هي ابنة إقطاعي رفيع الشأن و ساعده ذلك على تعزير مكانته الإجتماعية.عاشت عائلة شكسبيرحسب التعاليم الكاثوليكية في زمن كان يعاقب فيه كل من يرفض او يتحدى البروتستانتية الحديثة في بريطانيا. رزقت عائلة شكسبير بثمانية أطفال كان من بينهم وليام الذي يحتل الترتيب الثالث بين أخوته.و بالرغم من ندرة الوثائق الموجودة عن التحصيل العلمي لشكسبير إلا أنه من المرجح بأنه درس في مدرسة محلية رفيعة المستوى و اقتصرت دراسته فيها على تعلم القواعد اللاتينية و الكلاسيكيات. كما أنه لاتتوافر أي معلومات موثقة عما إذا كان شكسبير قد أكمل دراسته أو أنه تركها ليتدرب على العمل مع والده. تزوج بعمر 18 مت آن هاثواي التي كانت تكبره ب 8 سنوات و تمت مراسم الزفاف بشكل سريع و يعود السبب إلى حمل آن بطفلتهم الأولى سوزانا التي ولدت عام 1583 و أعقبها ولادة توأمين،هامنت و جوديث عام 1585. عاش كل من سوزانا و جوديث حتى عمر طويل إلا أن هامنت توفي بعمر 11. ويعتقد بأن الزوجان عاشا منفصلين لسنوات طويلة انشغل فيها شكسبير بكتابة أعماله المسرحية في لندن و استمر انفصالهما حتى السنوات الأخيرة من حياة شكسبير. لغز السنوات الضائعة و بداية مهنة شكسبير:
يقف العديد من المؤرخين في يومنا عاجزين عن فهم او تدارك سبب اختفاء شكسبير من الوثائق الموجودة مابين عام 1585 حتى 1592أي منذ ولادة التوأمان الى التاريخ الذي هاجمه فيه المسرحي المشهور روبرت غرين و سخر منه علانية بإحدى المنشورات حين وصف شكسبير ب "الغراب المغرور". وحقيقة يمكن اعتبار هذه الحادثة دليلا واضحا على أن شكسبير كان قد صنع لنفسه اسما على مسرح لندن. ولكن يبقى السؤال الأهم مالذي فعله شكسبير الأيقونة المستقبلية في سنوات شبابه الضائعة?!
يذهب بعض المؤرخين إلى القول بأن شكسبير عمل خلال تلك الفترة بمهن مختلفة منها التعليم و دراسة القانون و سافر خلالها عبر أوروبا كما انضم إلى مجموعة من الممثلين المارة من بلدة استراتفورد. وهكذا كما نرى فقد تنوعت نظريات هذا اللغز حتى أنه عثر على وثائق تعود للقرن. السابع عشر و ذكر فيها بأن شكسبير اضطر للهرب من بلدته بعد أن قام باصطياد غزال تعود ملكيته لأحد السياسين الأغنياء!
بحلول العام 1592 كان شكسبير قد بدأ العمل بمهنة التمثيل و كتب عدة مسرحيات كما أنه استقر في لندن و عمل على دراسة جغرافيتها و تنوع ثقافتها بحرفية و ذكاء عاليين.حيث تظهر أعماله الأولى مدى اطلاعه على الثقافات الأوروبية و العالمية و مدى معرفته بالأمور الملكية. امتاز شكسبير بسعة معرفته بشكل يتناقض مع حقيقة نشأته و تعليمه المتواضع مما دفع ببعض الباحثين إلى القول بأن هناك مؤلفين خفيين يقفون خلف أعمال شكسبير و لم يرغبوا بفضح حقيقة هويتهم إلا أن هذه الشكوك تبقى غير مؤكدة و لغزا آخر يضاف إلى رحلتنا هذه. مسرحيات شكسبير و قصائده:
في عام 1592 كتب شكسبير أولى أعماله و تنوعت مابين التراجيديا Titus Andronicus و الكوميديا The Tow Gentlemen of Verona بالإضافة إلى كوميديا الأخطاء الهزلية The Taming of the Shrew. ومن أشهر المسرحيات التاريخية ثلاثية Henry VI و Richard lll.
كما شهدت هذه الفترة تكوين صداقات و تعاون شكسبير مع الكثير من شركات التمثيل المسرحي مما ساعده على انتشار أعماله و نجاحها على خشبات المسرح في لندن.
في عام 1594 بدأ شكسبير بالتمثيل مع مجموعة من الممثلين المعروفين باسم The Lord Chamberlain's Men و التي أصبحت لاحقا The King's Men بعهد الملك جيمس الأول. لاحقا تعاون شكسبير مع المجموعة نفسها و عملوا سوية على تأسيس The Globe Theater 1599.
خلال الفترة الممتدة بين الأعوام 1590-1612 كتب شكسبير أنجح أعماله و منها:
Romeo and Juliet
King Lear
Hamlet
A Midsummer Night's Dream
The Tempest
And Macbeth.
تميز اسلوب كتابته باستخدامه iambic pentameter اي البحر الخماسي التفاعيل و استخدامه للمناجاة المسرحية حيث تقف الشخصية على المسرح لتخوض بحوار شخصي مع الذات بينما يقف الجمهور منصتا لها و لعل أشهرها على الإطلاق هي ماقاله هاملت "To be، or not to be....."
كما عرف عن شكسبير ذكائه. و مقدرته على التلاعب بالكلمات ويبقى أن نذكر بأن شخصيات شكسبير متنوعة و معقدة التركيب عصية التصنيف و عالمية الأثر. هذا و لم تقتصر روائع شكسبير على المسرح بل تعدتها إلى مجالات أخرى أبرزها الشعر حيث نشر اول قصيدة طويلة روائية باسم فينوس و أدونيس قام بتأليفها إهداءا لصديقه الحميم هنري وورثيزلي، ايرل ساوثامبتون.كما أن انتشار الوباء سنة 1593 و اغلاق المسارح في لندن كانا سببا في زيادة انتشار قصائد شكسبير فقام بنشر عمل آخر باسم The Rape of Lucrece.
في عام 1609 تم نشر العديد من القصائد الغنائية التي ألفها شكسبير و التي تعددت مواضيعها مابين الحب و الغريزة، الجمال و الحقيقة و نشرت بدون موافقة شكسبير الذي فضل الاحتفاظ بها ضمن دائرته الخاصة و لم تكن لديه الرغبة بمشاركتها مع العامة. إلا أن هذه القصائد لم تلق النجاح الباهر لأولى أعمال شكسبير ولعل السبب وراء ذلك يعود لكثرة الإيحاءات الجنسية المستخدمة فيها أو لسوداوية بعض الشخصيات الموظفة فيها. وفاة شاعر و خلود أيقونة:
في 23 من شهر نيسان عام 1616 توفي ويليم شكسبير عن عمر 52 سنة لأسباب لاتزال غير معروفة وتم دفنه بمقبرة الكنيسة في بلدة ستراتفورد.كتب على قبره مايدعي البعض بأنه من تأليف شكسبير نفسه حيث تقول الوصية" فليبارك الرب من يحفظ هذه الحجارة و لتلعن السماء من يحرك هذه العظام".
في عام 1623 قام اثنان من معاصري شكسبير بنشر مجموعة. من أعماله المسرحية تحت اسم The First Folio. و جاء في المقدمةما كتبه بين جونسون عن شكسبير حيث قال" لم يقف شكسبير يوما عند حدود عصره بل جسد بأعماله كل زمان و مكان". وهذه حقيقة تثبتها خشبات المسرح العالمية التي لاتزال إلى يومنا تصدح بصدى كلماته و تشهد روعة أبطاله كما تم انتاج العديد من الأفلام و البرامج التلفازية المرتكزة على أعماله.
إلى هنا تنتهي رحلتنا في عالم شكسبير ولاتنتهي بعالم العلم و المعرفة.