06
السبت, يونيو

مراجعة رواية "عن الحب وشياطين أخرى" لغابرييل غارسيا ماركيز

روايات ومقالات
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
هل تبحثُ عن صورٍ سحرية، أمراضٍ غريبة، مسٍّ شيطاني، والكثيرِ الكثيرِ مِنَ الحبّ؟
إذاً فرائعةُ الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز "عن الحبِّ وشياطينَ أخرى" ضالتُكَ المنشودةُ ولا ريب، فماركيزُ العظيمُ وحدهُ ولا أحدٌ سواه مَنْ استطاعَ خلقَ سحرَ الحبِّ على صورةِ شيطانٍ عنيفٍ في قصةٍ اقترحَها الجنونُ ونفذّها العقل.

يبدأُ ماركيز روايتَه بجدولٍ من الشعرِ الحيِّ الملوّنِ بلونِ النحاس المتدفقِ مِن أحدِ القبور أثناءَ التنقيبِ في ديرٍ للراهباتِ الكلاريسياتِ عام 1949، إنّهُ شَعرُ سييرفا ماريا دي تودوس دي آنخلز، الفتاةُ ذاتُ الـ 12 عاماً والتي ماتت قبلَ مئتي عامٍ في غرناطةِ الجديدة في العهدِ الاستعماري والتي أصبحتِ اليومَ كولومبيا.

سييرفا ماريا، ابنةُ الماركيز دي كالسيدويرو الوحيدة، الرجلُ الجنائزيُّ والشاحبُ "لأنَّ الخفافيش مصّت دمه بينما كان نائماً"، وابنةُ برناردا كابريرا، المنتميةُ لطبقةِ التجارِ والمدّمنةِ على الجنسِ العنيفِ مع عبيدها، وعلى الكاكاو والعسلِ المخمر.

نرى على الرغمِ مِن أنَّ برناردا استطاعت إغواءَ الماركيز بينما كانَ مستلقياً على أرجوحتهِ في ظلِ أشجارِ البرتقال، إلا أنَّها حملتِ بداخلِها الكراهيةَ لثمرةِ اتحادهما "سييرفا ماريا" والتي بالنتيجةِ عاشت مع العبيدِ في أكواخِهم مُشاركةً لهم بحياتِهم السريّةِ الصاخبة، متكلمةً لغتَهم ومغنيةً الأغانيَ الإفريقية معهم وعابدةً لآلهةِ يوروبا.

لكنَّ حياةَ سييرفا ماريا الهادئةَ لمْ تستمر طويلاً، فبينما كانت في السوقِ مع إحدى الخادمات عضّها كلبٌ مصابٌ بالكَلَب الذّي انتشرَ في تلكَ الفترة، ومع أنَّ جرحَ ساقِها شُفيَ تماماً، قررَ الأبُ والسلطاتُ الدينيةُ أنَّ الشيطانَ استحوذَ عليها وأنَها بحاجةٍ للعلاجِ الروحيِّ الديني لاستخراجِ الأرواحَ الشريرة.

وبالمقابل فإنَّ مَنْ مَثّلَ العقلَ والمنطقَ في هذا الوسطِ المضّطربِ المجنون كانت شخصيةَ الطبيبِ "أبرينونثيو" المتّهمِ بالإلحادِ والهاربِ من محاكمَ التفتيشِ في اسبانيا، والذّي رأى فيه الأبُ كايتانو دي لاورا المسؤولُ عن استخراجِ الأرواحِ مِن سييرفا ماريا بعضاً من التنوّرِ والراحةِ في لحظةِ ضياعهِ أمامَ الشيطانِ الذّي استحوذَ عليهِ أيضاً وهدمَ بناءَ معتقداتهِ وقيّمهِ الراسخة، مُظهراً جوهرَهُ الإنسانيَّ في لوحةٍ رائعةٍ عن كلاسيكيةِ الصراعِ بينَ الخيرِ والشر، مع فارقٍ أنَّ ماركيز لمْ يحدد الطرفين بوضوحٍ هنا بل تركَ الحُكمَ للقارئِ في شخصيةِ هذا الراهبِ المثيرةِ للاهتمام.

نلاحظُ أنَّ قوى التدميرِ عندَ ماركيز ليست شياطينَ الحبِّ والجنون، بل الجهلَ والتعصبَ الذّي انتشرَ في المجتمعِ ذي الجذورِ الاسبانيةِ في ذلكَ الوقت، والخوفَ السائدَ مِنَ المجهولِ الذّي ميّزَ المجتمعَ ما قبلَ الحداثيِّ وبررَ قساوةَ الانسانِ القديمِ مع أخيه، يكشفُ لنا ماركيز هنا أيضاً الحدودَ بينَ التفكيرِ العقليِّ مُجسدةً بالممارساتِ الطبيّةِ العلميةِ وبينَ التقاليدِ الدينيّةِ المُتجذّرةِ في مجتمعاتٍ أَكلها الجهلُ وسيطرةُ رجالِ الدين على الممارساتِ العامة، حيثُ تدورُ أحداثُ الروايةِ في أمريكا اللاتينية في القرِن الثامنِ عشرَ لتعكسَ بشكلٍ واضحٍ ما أرادَ ماركيز أن يُشيرَ إليهِ عن الصراعِ العميقِ بينَ العلمِ والدينِ في تلكَ المناطقَ البعيدةِ عن تنويرِ أوروبا.

روايةٌ فيها مِنَ الإبداعِ السحريِّ الصرف ما يُلخصُها ماركيز على لسانِ بطلتهِ سييرفا ماريا عندما سَألت أبيها فيما إذا كانت ما تقولهُ الأغنياتُ صحيحٌ حولَ أنَّ الحبَّ ينتصرُ على كلِّ شيء. فجاءَ جوابُه: "نعم إنّهُ صحيح، ولكن مِنَ الأفضلِ لكِ ألا تؤمني بذلك".

معلومات الرواية:
الكتاب: عن الحب وشياطين أخرى
المؤلف: غابرييل غارسيا ماركيز
ترجمة: د. وليد صالح
الناشر: دار الشروق 1995
عدد الصفحات: 208.